محمد الكلابي
تشهد الساحة السياسية الأمريكية اليوم انقساماً غير مسبوق، تجاوز حدود المنافسة التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى صراع أعمق، بين إرادة الشارع وقوى النفوذ الخفية التي تتحكم في مفاصل الدولة. هذه القوى، التي يُطلق عليها اصطلاحاً “الدولة العميقة”، ترى أن استمرار هيمنتها مرهون ببقاء آلة الحروب مشتعلة، وبأن يظل الاقتصاد الأمريكي قائماً على الأزمات والصراعات الخارجية.
في المقابل، يلتف جزء واسع من الأمريكيين حول دونالد ترمب، باعتباره رمزاً للتمرّد على سياسات التورط العسكري التي استنزفت الداخل الأمريكي. بالنسبة لهؤلاء، يمثّل ترمب وعداً بالخروج من حلقة الحروب، وإعادة التركيز على الداخل المنهك بفعل أزمات اقتصادية واجتماعية تراكمت لسنوات. هذا الالتفاف الشعبي يزداد زخماً مع اقتراب الانتخابات، في مواجهة منظومة متجذرة في السلطة لا ترى في ترمب سوى تهديد مباشر لمصالحها.
لكن ما يتكشف ببطء في المشهد الأمريكي هو أن هذا التحدي لن يكون طريقاً ممهداً. فبينما يراهن أنصار ترمب على صناديق الاقتراع لإعادته إلى البيت الأبيض، تتحرك مراكز النفوذ العميقة بطرقها المعتادة لإعادة ضبط قواعد اللعبة. وكلما اقتربت فرص ترمب من الحسم، ازداد الحديث عن أدوات خفية يمكن تفعيلها لخلط الأوراق، من الضغط الاقتصادي والإعلامي، إلى الأزمات الأمنية التي تُدار في الخفاء.
وبرغم كل هذا التعقيد، أرى بوضوح أن ترمب سيفوز بالرئاسة. لكنني أرى أيضاً، وباليقين نفسه، أنه لن يُكمل فترته. الأسباب غامضة الآن، محاطة بضباب كثيف، لكن المؤشرات كلها توحي بأن هناك ما يُحاك في الظل، وأن نهاية ولاية ترمب ستكون مفاجئة وربما درامية، قبل أن يصل إلى العام الأخير من حكمه.
في الوقت نفسه، تدرك الدولة العميقة أن الحروب بالنسبة للولايات المتحدة لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل أصبحت ركائز ثابتة لبقاء نظامها الاقتصادي والعسكري. فالمجمع الصناعي–العسكري لا يكتفي بإدارة النزاعات، بل يعيش عليها، ويعتبر أي محاولة لإطفاء نيرانها تهديداً وجودياً لبنيته. ولهذا، فإن أي مسار يسعى إلى تقويض هذه المنظومة ـ كما يُوحي به خطاب ترمب ـ يُقابل برد فعل عنيف، قد يأخذ أشكالاً غير متوقعة.
وإذا كان الداخل الأمريكي قابلاً للاشتعال بفعل الاستقطاب الحاد، فإن الخارج قد يتحول إلى مسرح لتفريغ هذه التوترات. تصعيد في أوكرانيا، توتر مع إيران في الخليج، وربما فتح جبهات جديدة تعيد إنتاج أزمات أكبر، كلها سيناريوهات جاهزة للإطلاق عند الحاجة. وحين تتداخل هذه الملفات في وقت واحد، يصبح المشهد الأمريكي أكثر غموضاً، وتغدو السياسة أقل قدرة على ضبط مسار الأحداث.
ما يمكن الجزم به هو أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة مضطربة، مرحلة يُعاد فيها تشكيل معادلات السلطة والهيمنة من جديد. فحتى في حال وصول ترمب إلى البيت الأبيض، لن تكون الأمور كما يتوقع أنصاره، ولن يكون الحكم هذه المرة إلا محاطاً بعواصف متلاحقة، داخلية وخارجية. وفي ظل هذه الفوضى المتصاعدة، تبدو أمريكا وكأنها تسير نحو زمن لا يضمن لأحد أن يخرج سالماً، ولا حتى للرجل الذي أعاد تشكيل ملامح اللعبة السياسية منذ أن ظهر على المسرح.
