ليس الإنسان سوى سجين لرؤيته يظن أن ما يقع في مجال بصره هو العالم كله وأن ما تغيب عنه عيناه محض ظلال لا تستحق الالتفات ، الحقيقة عنده ليست كيانًا قائمًا بذاته بل انعكاس لما يراه من موقعه كل فرد يقف عند زاوية يراها مركز الكون يزن الأمور بميزانه الخاص ويدافع عن يقينه كأنما امتلك مفاتيح الحق المطلق غافلًا عن أن الزوايا الأخرى تحمل ضوءًا مختلفًا للحقيقة نفسها
لكن أيُّ عقلٍ ذاك الذي يصر على أن نافذته الصغيرة تكفي لإدراك المشهد بأكمله وأي يقين هذا الذي لا يقوى على الشك إن الإنسان حين يرفض أن ينظر خارج حدود رؤيته لا يعزل الحقيقة عنه فحسب بل يعزل نفسه عنها يظل يدور في دائرة قناعاته يعيد تشكيل العالم وفقًا لها دون أن يخطر بباله أن هناك عوالم أخرى قائمة بذاتها تتنفس الصدق بوجوه متعددة
في ظنه أن ما لا يراه غير موجود وما لا يعتقده خاطئ وما لم يعشه باطل وكأنه لم يسمع قول الله تعالى “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” فكيف يكون التعارف ممكنًا إن لم نكسر مرآة الأنا ونفتح نوافذنا على رؤى الآخرين
الحقيقة ليست لونًا واحدًا ولا وجهًا واحدًا بل امتدادٌ من المعاني التي لا تُدرك إلا إذا تجرأنا على الخروج من زوايانا الضيقة فمتى سندرك أن أعيننا لا ترى كل شيء وأن الحكمة تبدأ عندما نؤمن بأننا لا نملك الحقيقة