في البدءِ، لا يُمكنُ للعينِ أن تستقرَّ. التكوينُ دائريٌّ، لكنه لا يمنحُ اكتمالًا، بل يضاعفُ القلقَ كحقلٍ مغناطيسيٍّ تتشظّى داخلهُ الألوانُ والتفاصيلُ كأفكارٍ منفلتةٍ من ترتيبها الطبيعيّ. نحنُ لسنا أمامَ مشهدٍ صلبٍ يمكنُ القبضُ عليهِ بسهولة، بل أمام متاهةٍ بصريةٍ مفتوحةٍ على احتمالاتٍ لا نهائية. هذهِ ليست لوحةً، بل هندسةٌ ميتافيزيقيةٌ لعالمٍ مأزوم، بُنيَ على التناقضاتِ والتداخلات، واستحالَ إلى مكانٍ يختبئُ فيهِ الزمنُ بين الشقوقِ والخطوط.

 

الفنان الكبير الأستاذ أمير الخطيب لا يُقدّم في هذه اللوحة سردًا مباشرًا، بل يستدرجُ المُشاهد إلى مساحةٍ ذهنيةٍ حيثُ يتحوّلُ اللونُ إلى استعارةٍ، والحركةُ إلى معضلةٍ وجودية. هنا، نحنُ أمام عالمٍ مقسومٍ إلى أقطابٍ متصارعةٍ: الأزرقُ الغامضُ في الأسفلِ كبحرٍ من الغياب، الأخضرُ الحادُّ كصعودٍ مُلتبس، الأسودُ العميقُ كجدارٍ لا يُمكنُ تجاوزهُ، والأحمرُ المُتوهّجُ كحدِّ الألمِ والتشظّي. ليست هذه مجرد عناصرَ لونية، بل أبعادٌ فلسفيةٌ تتجلى في تفاعلها، وكأنها أنساقٌ متضادةٌ داخلَ وعيٍ مضطربٍ يبحثُ عن معنى بين الحضورِ والغياب.

 

هذه اللوحة ليست مشهدًا ساكنًا، بل مسرح داخليّ تتحرك فيه العواطف، وتتصادم الذكريات مع الحاضر، ويتصارع الأمل مع الاستسلام. إنها لوحةٌ تتحدثُ لغةَ الحدسِ أكثرَ مما تتحدثُ لغةَ الإدراك، لوحةٌ لا تطرحُ إجابةً واحدةً، بل تغرقُ في الحيرة، لوحةٌ تفتحُ بابَ التأويلِ لا لتُغلقَه، بل لتوسّعهُ أكثر، حتى يصيرَ العدمُ أوسعَ من المعنى، والاحتمالُ أكبرَ من الحقيقة.

 

حين ينظر المشاهد إلى اللوحة، لا يستطيع أن يهرب من الشعور بالتوتر. إنه توترٌ عالقٌ بين الحلمِ والواقع، بين الحركةِ والتجمّد، بين الصعودِ والسقوط. كل شيءٍ هنا يبدو في حالة تحوّل، لكن إلى أين؟

 

في منتصفِ هذا العالمِ المشطور، يتحرّكُ شخصٌ وحيدٌ في أسفلِ الزاوية، ظِلٌّ يركضُ بلا وجهةٍ واضحة، مُحاصرٌ بدرجاتٍ خضراءَ تنتهي في اللاشيء. الحركةُ هنا ليست سعيًا، بل دورانٌ داخلَ مأزق. إنه إنسانٌ معلقٌ في الزمن، يهربُ كي لا يسقط، لكنهُ في ذاتِ اللحظةِ لا يصلُ إلى شيء. كل خطوةٍ يخطوها، ليست خطوةً نحو الأمام، بل خطوةٌ في حلقةٍ متكرّرة، كأن الزمن نفسه قد استحالَ إلى قيدٍ غير مرئي، إلى متاهةٍ تدورُ حول ذاتها.

 

لكن، هل هذا الهاربُ الوحيدُ في المشهد؟ لا. هناك حضورٌ آخر، حضورٌ أكثرَ صمتًا، وأكثرَ اختفاءً: ذلك الشكلُ الأبيضُ المتوهّجُ في الزاويةِ السفليةِ من اللوحة. لكنهُ ليس عشوائيًا، وليس مجرد أثرٍ بصريٍّ مبهم، إنه رمزٌ أعمق، ظِلٌّ يمتدُّ من ذاكرة بغداد، من زمنٍ كان الفنُّ فيهِ يُسجّلُ الحياة، لا الفقدان. هذا الأثر الأبيض هو ذكرٌ للبعران التي رسمها الفنان العراقي يحيى الواسطي قبل أكثر من ألف عام، علامةٌ من علامات بغداد القديمة التي كانت محفورةً في روحها، قبل أن تتوارى خلف تحوّلاتٍ لم تُبقِ من المدينة سوى أصداء في الذاكرة. هذا الجزء من اللوحة ليس غيابًا، بل شهادةٌ صامتةٌ على شيءٍ يُتركُ خلفهُ، إرثٌ بصريٌّ يُدفنُ تحت الركامِ لكنه لا يختفي.

 

إذا ما أمعنّا النظر، سنجد أن الشخص الراكض في الجهة الأخرى من اللوحة يمضي مبتعدًا، يتركُ تلك العلامات خلفهُ، كأنهُ يرحل عن بغداد لا فقط كمكان، بل كفكرةٍ كاملة، كهويةٍ بصريةٍ وثقافيةٍ رافقتهُ حتى اللحظةِ الأخيرة. فهل هو هروبٌ؟ أم أنه سعيٌ نحو شيءٍ لم يعد يُمكن إيجاده؟ هل هو قرارٌ واعٍ، أم أنهُ محكومٌ بالحركةِ داخل هذه الدوامةِ التي لا نهاية لها؟

 

في الجهةِ الأخرى، حيث يقطعُ الخطُّ الأحمرُ الجدارَ الأسودَ، نرى التمزّقَ واضحًا، كأنّهُ شرخٌ في الزمن، انقسامٌ بين عالمين، تصدّعٌ في الوعي. الأحمرُ هنا ليس مجردَ لون، بل نبض العنف الكامن في النفس البشرية، الحدُّ الفاصلُ بين الرغبةِ في البقاءِ والنزوعِ إلى التدمير الذاتي. لكنه ليس حدًا مغلقًا، بل مشرّع على احتمالات أخرى. الضوءُ الأصفرُ الذي يخترقه، ليس انتصارًا للوضوح، بل مجردُ محاولةٍ، مجردُ أثرٍ للنجاةِ في عالمٍ لا يمنحُ النجاة بسهولة.

 

أما الأرضُ الرماديةُ في الأسفل، فهي ليست أرضًا حقًا، بل ساحة ذاكرة، مسرح أحداث لم تكتمل، بقايا صمت يحاول أن يتحدث لكنه لا يجرؤ. البقعةُ المتّقدةُ في المنتصف، ليست نارًا مشتعلة، بل أثرُ نار، جمرٌ قديمٌ لم ينطفئْ بالكامل. إنها علامةٌ على أنَّ شيئًا ما قد حدثَ هنا، أنَّ احتراقًا قد وقع، لكنهُ لم يُمحَ بالكامل. ربما هو أثرُ ذكرى، ربما هو تاريخٌ لا يزالُ ينبضُ، ربما هو ألمٌ لا يزالُ يترددُ صداهُ في هذا الفضاءِ المتصدّع.

 

الفنان الكبير الأستاذ أمير الخطيب لا يُقدّمُ لنا عالماً، بل يُقدّمُ لنا مأزقاً. ليس هناك يقينٌ في هذه اللوحة، بل دوّامةٌ من التناقضات، ودوامةٌ من التأويلات. إنها ليست مجردَ لوحة، بل متاهةٌ عقلية، لعبةٌ فلسفيةٌ مع الإدراك، حيث لا شيءَ يُمكنُ أن يكونَ ثابتًا، حيث كلُّ شيءٍ في حركةٍ دائمةٍ نحو مجهولٍ أكبر.

 

لكن، ماذا عن المُشاهد؟ ماذا عن الذي يقفُ أمام هذه اللوحةِ ويتأمّلها؟ هل هو جزءٌ منها؟ هل يصبحُ هو الآخرُ داخلها؟ هنا يكمنُ أحدُ أسرارِ هذا العمل، فهو لا يُقدّمُ لنا مشهدًا لننظرَ إليهِ من الخارج، بل يمتصُّنا إلى داخلهِ، يُجبرُنا على أن نصبحَ جزءًا من هذا الصراع، من هذا التشظّي، من هذا الجدارِ الأحمرِ الذي يقطعُ العالم، ومن هذه الدرجاتِ التي لا تصلُ إلى أيِّ مكان.

 

هل نحن جميعًا ظلال تركض فوق درجات مجهولة؟ هل نتحرك إلى الأمام، أم أن العالم يدور بنا في دوائر سرمدية؟ حين ننظر إلى هذه اللوحة، هل نراها، أم أنها تعكس حقيقتنا دون أن ندري؟ كأنّ اللوحة لا تُريدُ أن تُخبرنا بشيء، بل تُريدُ أن تجعلنا نُعيدُ النظرَ في كلِّ ما نعرفه. كأنّها تضعنا أمام مرآةٍ لا تعكسُ صورَتنا، بل تعكسُ ذلكَ الجزءَ الغامضَ فينا، الجزءَ الذي يركضُ منذ الأزلِ، ولا يعرفُ إن كان يهربُ من شيءٍ، أم يبحثُ عن شيءٍ لم يجدهُ بعد.

 

قبل infoaktub

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *