محمد الكلابي
أخي منهل، السلام عليك، وما بعد السلام كلام.
يا منهل، كيف أشرحُ للناس ــ وهم أسرى العجلة وأبناء النسيان السريع ــ أن بعض الأحزان لا تذوي مع الأيام، بل تنمو، وأن الفقد ليس مسافةً تُطوى، بل قَهْبٌ عظيمٌ يقوم في الصدر؛ كلما ظننتَ أنك جاوزته، وجدته أعلى، وأشدّ التصاقاً بالقلب؟ كيف أُفهِمهم أن الغياب، حين يكون بهذا العمق، لا يُطفئ النار، بل يعلّمها كيف تحترق بوعي، وكيف تصير جمراً مفكّراً لا يخبو؟ أنا لا أفتقدك افتقادَ من أضاع وجهاً في الزحام، بل فقدَ من انكسرت عنده الجملة التي كان بها يستقيم العالم، ويعتدل الميزان، وتُفهَم الأشياء دون عناء.
أتعاطى مع البشر بعينين تؤدّيان ما يجب، وبقلبٍ يُجيد التظاهر، وبعقلٍ ــ كلّه لا بعضه ــ مقيمٍ عندك؛ عند الأريب الذي كان يسبق عبارتي إلى معناها، ويقرأ صمتي كما يُقرأ نصٌّ قبل نشره، ويعرف أنني لا أبحث عمّن يسمعني، بل عمّن يفهمني دون أن يستنزفني السؤال، ودون أن يرهق الفكرة بشرحٍ لا حاجة له.
يا منهل، يا اكتمالَ نقصٍ لا يُستعاد، ويا معنىً يأنف أن يُقال عنه: كان؛ أُقسم ــ وليس القَسَمُ عندي زينة كلام ــ أن لحظة فقدك لا تتقادم، بل تقترب، وتضغط، كأن الزمن يمشي بي إلى الوراء ليعيدني مراراً إلى موضع السقوط الأوّل، وكأن كل يومٍ جديدٍ ليس يوماً بعدك، بل يوماً عليك، يُضاف إلى سجلّ الغياب ويُحكم الطوق.
ثم ماذا أفعل بالأمكنة التي تشبهك؟ ماذا أصنع بالعاصمة التي تركتنا فيها بين شارعٍ وشارعٍ سرّاً، وبين ظلٍّ وظلٍّ حواراً، وبين ضحكةٍ وأخرى وصيّةً صغيرةً كنتَ تلقيها بلا ادّعاء، فأمضي دهراً أكتشف أنها كانت عماداً خفياً يُمسك سقف أيامي من الانهيار؟
لا أقول إلا: السلام عليك يا منهل، يا أخاً لا تكتمل الأخوّة بعده، يا موشوماً بشهيقي وزفيري، يا أقرب إلى اسمي من اسمي. والله ما مرّت عليّ ساعةٌ منذ غيابك إلى هذه اللحظة إلا وكنتَ فيها حاضراً حضور القانون لا الذكرى؛ غير أن الناس، الذين لم يحتملوا عقلك ولا عقلي، لن يحتملوا حزني عليك كما ينبغي، وسيُسمّونه إفراطاً، وأنا أسمّيه حقّاً، لأن الحقّ حين يُجرَّد من الوجع يصير ظلماً آخر.
وحتى هذه اللحظة، يا قاسي القلب ــ وما كنتَ بالقاسي ــ لم تزرني في حلمي. ما تقصيري في صحبتنا كلّها حتى تحتجب عني وقد زرتَ غيري؟ لمن توكلني بعدك يا منهل، والبشر لا يملكون دفءَ اسمك المحفور على الشاهدة، ولا طمأنينة حضورك الذي كان يُسكت الفوضى في رأسي دون خطاب، ودون شرح، ودون ضجيج؟
أقسم عليك بنبيّك محمدٍ، وبعليٍّ وفاطمة، وبما انتظم منهما سلسلةً ذهبيّةً في القلب لا في الكلام، أن تُقبل عليّ ولو مرّة، ولو في حلمٍ واحد، وأن تضع يدك على رأسي كما كنتَ تفعل حين يضيق العالم، وتقول لي ــ على الأقلّ ــ أنا هنا؛ لا لأسمع وعداً، بل لأستعيد جسدي من هذا الارتجاف الذي لا يراه أحد، ولا يُصدّقه أحد.
يا منهل، أنا أحتاجك الآن. مررتُ مؤخّراً بما لا يقدر على حمله أحد، بما لو وُزِّع على جماعةٍ لأقعدهم، ومع ذلك تجاوزتُ؛ لا قوّةً، بل حياءً منك، ولا شجاعةً، بل لأنني تعلّمت منك أن السقوط ليس دائماً خياراً. أريد أن أُفضي إليك بما جرى، كيف صار الكتمان عملاً شاقّاً، وكيف أضحى الصبر ثقلاً، وكيف أبتسم أحياناً لا لأنني بخير، بل لأن الانهيار مؤجَّل، ولأنني لا أريد للعالم أن ينتصر عليّ دفعةً واحدة.
أسأل ربّك ــ لا لك، بل لي ــ أن يُفرغ عليّ من صبرك صبراً، لا يُقسّيني ولا يُميتني، وأن يعلّمني كيف أعيش دون أن أخونك، وكيف أفرح دون أن أجرح ذكراك، وكيف أمشي في نهارٍ يصرّ على الاستمرار كأنك لم تكن عصباً في روحي، وميزاناً لأشيائي، وسقفاً كنتُ أستظلّ به من عبث العالم.
عليك السلام يا منهل ما طلعت شمسٌ وما تعاقب ليلٌ ونهار، عليك السلام يا شقيق قلبي وتقلي وأكثري وأغلبي، عليك السلام يا حبيب أخيك، ويوم تبقى حيّاً فينا، لا كذكرى تُزار، بل كقانونٍ لا يُنقَض.
