في العراق، لا شيء يكشف لعبة المصالح مثل ملف الإنترنت. تصريحات تتبدل، مواقف تنقلب، وشركات تتحول من متَّهمٍ رئيسي إلى شريكٍ مفضَّل بين ليلة وضحاها. هنا لا يتغير الواقع بقدر ما تتغير الروايات، والنتيجة دائماً يدفعها المواطن.

 

قبل عامين فقط، كانت وزيرة الاتصالات تصف شركة إيرثلنك بأنها المستفيد الأكبر من ضعف الخدمة في العراق. كانت تقول إن الميغا تباع عندها بـ4400 دينار بينما تُباع عند غيرها بـ36000، وأنها تدمج أربعين مشتركاً في يوزر واحد، وتسيطر على كابل بحري هُرّب خارج العراق. كانت لهجتها هجومية، حادة، لا تترك مجالاً للشك في أن المشكلة تكمن في الشركة.

 

لكن ما الذي تغيّر اليوم؟ الوزيرة نفسها أصبحت تدافع عن “إيرثلنك”، وتهاجم وكلاء الأبراج، بل وتمنحها مشروع الألياف الضوئية (FTTH) في خمس عشرة محافظة دفعة واحدة. التناقض صار فاضحاً، والأسئلة باتت ملحّة: هل المشكلة كانت في الشركة أم في الخطاب؟ هل تبدلت الحقائق أم تبدلت المواقف فقط؟

 

الحقيقة التي يتحدث بها وكلاء الأبراج واضحة: الوكيل لا يتحكم بجودة الإنترنت، بل يوزع ما تصله من الشركة الأم. أي ضعف في السرعة أو انقطاع في الخدمة سببه سياسات الشركات الكبرى، وليس الأبراج. ومع ذلك، جرى تحميل الوكلاء المسؤولية، لتُفتح الطريق نحو “إزالة الأبراج” وإحلال مشروع واحد مكانها.

 

إنها ليست مجرد قضية تقنية. إزالة الأبراج تعني احتكاراً كاملاً للسوق، وغياب أي منافسة. ومع الاحتكار ترتفع الأسعار (قد تصل الاشتراكات إلى 45 ألف دينار شهرياً، يضاف إليها رسوم صيانة شهرية)، وتنخفض الجودة، ويُترك المواطن بلا بديل. والأسوأ أن آلاف العائلات التي تعيش من عمل الوكلاء ستُحرم من مصدر رزقها.

 

اللافت أن تدهور خدمة الأبراج في الفترة الأخيرة لم يكن صدفة، بل خطوة متعمدة لإجبار المشتركين على الانتقال إلى الإنترنت الضوئي. حتى الوكلاء أنفسهم تعرضوا للضغط والتهديد بقطع الخدمة عنهم إن لم يحوّلوا زبائنهم إلى المشروع الجديد. بهذا الشكل، يتحول التحول التقني من خيار إلى إملاء، ومن تطوير إلى هيمنة.

 

من حق الشارع أن يعرف: ما الذي دفع الوزيرة لتبديل خطابها بالكامل؟ ومن يملك القرار الحقيقي في ملف الإنترنت؟ ولماذا تُصاغ السياسات بعيداً عن الشفافية والوضوح؟

 

إن الإنترنت اليوم ليس خدمة كمالية، بل عصب حياة: تعليم، عمل، تواصل، وإعلام. من يسيطر عليه يسيطر على المجتمع كله. ولهذا فإن القرارات التي تُتخذ خلف الكواليس لا بد أن تُواجه بوضوح، وأن تُناقَش أمام الناس لا في الغرف المغلقة.

 

المواطن العراقي لا يطلب المستحيل: يريد خدمة جيدة بسعر عادل، ومنافسة تضمن الجودة، وشفافية تكشف من يقرر ولماذا. أما لعبة الاتهامات التي تنقلب فجأة إلى تحالفات، فهي ليست إصلاحاً، بل إعادة إنتاج للاحتكار بوجه جديد.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *