متابعات
يوم أمس، حضرنا ندوة فكرية للدكتور علاء الخطيب في مجلس آل محيي الدين، حملت عنوان “الانتخابات العراقية بين التحديات الديمقراطية ورغبة التغيير”. كانت الندوة هادئة في ظاهرها، لكنها مليئة بالأفكار التي تلامس جوهر الأزمة السياسية في العراق.
من بين ما قاله الدكتور الخطيب، عبارة بدت كأنها مفتاح لفهم ما يحدث اليوم
( يجب أن تُترك السياسة لرجل السياسة. ليس صحيحاً أن المهندس أو الطبيب يترشح لمجرد أنه ناجح في مجاله؛ فكما أن الطب والهندسة علم، كذلك السياسة علم له نظرياته وقوانينه ومعادلاته.)
كلام بسيط، لكنه يضع إصبعه على جرحٍ عميق. ففي السنوات الأخيرة، تحولت الانتخابات إلى معرض مهن لا إلى اختبار كفاءات سياسية. رأينا من يحمل شهادة هندسة أو طب أو…. يدخل البرلمان باسم “التغيير”، ثم يكتشف بعد أشهر أن السياسة ليست من اختصاصه. النوايا الطيبة لا تكفي حين يغيب الفهم البنيوي للدولة.
الخطيب أشار أيضا إلى خطأ اخر يتكرر يوميا النواب الذين يتعاملون مع الإعلام كوزراء. قال منتقداً
(مهمة النائب تشريعية وليست تنفيذية. في أوروبا مثلا، نادرا ما يظهر نائب في لقاء تلفزيوني، لأن دوره ليس أن ينفذ و يعد الناس، بل أن يشرع لهم.)
هذه الملاحظة البسيطة تختصر الفارق بين من يرى السياسة مسؤولية عقل ومن يراها وسيلة حضور. فحين يختلط الدور التشريعي بالتنفيذي، تضيع الحدود، ويتحوّل البرلمان إلى منبر للشعارات لا لمناقشة القوانين.
ما قاله الدكتور يذكرنا بأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع بل منظومة وعي وفهم للموقع والوظيفة لا يمكن أن تدار الدولة بمنطق الهواية أو التجربة. فالسياسة التي لا تقوم على علم تتحول إلى مسرح للارتجال، والارتجال في السياسة مكلف دائماً.
إن الرسالة التي خرجنا بها من تلك الندوة بسيطة وواضحة
إذا أردنا دولة قوية، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى السياسة كاختصاص، لا كمجال مفتوح لكل من أراد أن “يجرب حظه”.
فكما لا نذهب إلى طبيب لم يدرس الطب، لا ينبغي أن نمنح أصواتنا لمن لم يتعلم السياسة.

