أسمعُ‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المقهى‭ ‬الصغيرة‭ ‬ثرثرة‭ ‬لرجلين‭ ‬عجوزين‭ ‬حول‭ ‬سباق‭ ‬الخيول‭ ‬وكيف‭ ‬خسرا‭ ‬رهانهما‭ ‬على‭ ‬الحصان‭ ‬wind‭ ‬black‭ ‬الإعصار‭ ‬الأسود،‭ ‬أتصفح‭ ‬جريدة‭ ‬محلية‭ ‬توّزع‭ ‬مجانا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬الأسترالية،‭ ‬يلفتُ‭ ‬نظري‭ ‬رسماً‭ ‬بالكاريكاتير‭ ‬لراية‭ ‬الدواعش‭ ‬تقطرُ‭ ‬دماً‭ ‬على‭ ‬القرآن؛‭ ‬بينما‭ ‬هناك‭ ‬عين‭ ‬هلعة‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬كابية‭ ‬تقطر‭ ‬دمعاً‭ ‬على‭ ‬صحراء‭ ‬قاحلة‭ ‬مترامية‭ ‬الأطراف،‭ ‬وثمة‭ ‬عبارة‭ ‬تحت‭ ‬الرسم‭ ‬تقول‭ ‬Invasion‭ ‬the‭ ‬darkness،‭ ‬وتعني‭ ‬غزو‭ ‬الظلام‭. ‬المرأة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬تغادر‭ ‬المقهى‭ ‬غاضبة‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬يئست‭ ‬من‭ ‬اصطياد‭ ‬زبون‭ ‬مغفل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النهار‭ ‬البارد،‭ ‬بينما‭ ‬يدخلان‭ ‬فتاة‭ ‬وفتى‭ ‬بريعان‭ ‬الصبا‭ ‬كأنهما‭ ‬طائرا‭ ‬جنَّة،‭ ‬يجلسان‭ ‬قبالتي‭ ‬وينهمكان‭ ‬بتبادل‭ ‬القبلات‭ ‬النارية؛‭ ‬ولم‭ ‬يأبها‭ ‬لهذا‭ ‬الكائن‭ ‬المدمَّر‭ ‬الذي‭ ‬يراقبهما‭ ‬بين‭ ‬نفثة‭ ‬دخان‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬سيجارة‭ ‬ترتعش‭ ‬بفمه،‭ ‬يرن‭ ‬هاتفي‭ ‬النقال‭ ‬وأسمع‭ ‬صوت‭ ‬ابنتي‭ ‬حُسنى‭ ‬تستأذنني‭ ‬بالذهاب‭ ‬مع‭ ‬صديقاتها‭ ‬إِلى‭ ‬حفل‭ ‬غنائي‭ ‬لفرقة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬قاعات‭ ‬المدينة،‭ ‬أسألها‭ ‬عن‭ ‬سعر‭ ‬التذكرة،‭ ‬تقول‭ ‬ثلاثين‭ ‬دولاراً،‭ ‬أوافق‭ ‬على‭ ‬طلبها‭ ‬وثمة‭ ‬فرح‭ ‬خجول‭ ‬يدغدغ‭ ‬شغاف‭ ‬قلبي،‭ ‬في‭ ‬عمرها‭ ‬كنتُ‭ ‬أذهب‭ ‬إِلى‭ ‬مساطر‭ ‬العمال‭ ‬فجراً‭ ‬عسى‭ ‬أنْ‭ ‬يختارني‭ ‬أحد‭ ‬المقاولين‭ ‬أو‭ ‬‮«‬خلفة‭ ‬البناء‮»‬‭ ‬للعمل‭ ‬معه‭ ‬مقابل‭ ‬أجرة‭ ‬مقدارها‭ ‬نصف‭ ‬دينار،‭ ‬أشكر‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬سرّي‭ ‬على‭ ‬سعادة‭ ‬أطفالي‭ ‬بهذه‭ ‬القارة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬خريطتها‭ ‬كبش‭ ‬بلا‭ ‬رأس؛‭ ‬والماطرة‭ ‬ذهباً‭ ‬وملائكة‭ ‬حتى‭ ‬يفاجئني‭ ‬دخول‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬الأسترالي‭ ‬بيتر‭ ‬جفري،‭ ‬يصافحني‭ ‬بحرارة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬شهور‭ ‬مضت‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬لقاء‭ ‬بيننا،‭ ‬يطلق‭ ‬آهة‭ ‬الشيخوخة‭ ‬ثم‭ ‬يبتسم‭ ‬بوجهي‭ ‬ويسألني‭ ‬متفائلاً‭ .. ‬أأمل‭ ‬أنك‭ ‬كتبت‭ ‬شعراً‭ ‬بغيبتك‭ ‬الطويلة،‭ ‬وأجيبه‭ ‬بمرارة‭ ‬بل‭ ‬كتبت‭ ‬قلقاً‭ ‬مسموعا‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الصمت،‭ ‬يهتف‭ ‬أنها‭ ‬قصيدة؛‭ ‬ويردف‭ ‬أنك‭ ‬تقول‭ ‬الشعر‭ ‬مثل‭ ‬فلاّح‭ ‬يبذر‭ ‬الأرض،‭ ‬أمكثُ‭ ‬صامتاً‭ ‬على‭ ‬إطرائه‭ ‬الذي‭ ‬يكرره‭ ‬كلما‭ ‬التقيه،‭ ‬وأتأمله‭ ‬بمتعة‭ ‬وهو‭ ‬يتلذذ‭ ‬بشرب‭ ‬كأس‭ ‬الجعة‭ ‬التي‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬سائلها‭ ‬الذهبي‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس،‭ ‬ثم‭ ‬يقترح‭ ‬على‭ ‬مسامعي‭ ‬أنْ‭ ‬اشترك‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬شعرية‭ ‬بمقهى‭ ‬القمر‭ ‬التي‭ ‬يرتادها‭ ‬الشعراء‭ ‬كل‭ ‬ظهيرة‭ ‬سبت،‭ ‬أعتذر‭ ‬برقة‭ ‬على‭ ‬دعوته‭ ‬بسبب‭ ‬مزاجي‭ ‬الكئيب،‭ ‬وتتعالى‭ ‬قهقهة‭ ‬زبون‭ ‬بملابس‭ ‬مهرج‭ ‬على‭ ‬كلبه‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬ينبح‭ ‬على‭ ‬كلبة‭ ‬جميلة‭ ‬تقودها‭ ‬امرأة‭ ‬عجوز‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الشارع،‭ ‬أسمع‭ ‬المهرج‭ ‬يحدث‭ ‬كلبه‭ ‬بحب‭ ‬جارف‭ ‬بلغة‭ ‬إنجليزية،‭ ‬أترجمها‭ ‬إِلى‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬ذهني‭:‬

 

‭- ‬عليك‭ ‬أنْ‭ ‬تتعوّد‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬العزوبية‭ ‬مثلي‭.‬

 

أشربُ‭ ‬ما‭ ‬تبقَّى‭ ‬من‭ ‬قهوتي‭ ‬التي‭ ‬بردت‭ ‬وألقي‭ ‬تحية‭ ‬وداع‭ ‬على‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬الأسترالي‭ ‬بيتر،‭ ‬وفي‭ ‬رأسي‭ ‬تنطُّ‭ ‬الذكريات‭ ‬الأليمة‭ ‬والأفكار‭ ‬المزعجة‭ ‬كصغار‭ ‬المعزى؛‭ ‬خلال‭ ‬الطريق‭ ‬كانت‭ ‬الكآبة‭ ‬تحاصرني‭ ‬والهواجس‭ ‬الكابية‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬توخز‭ ‬بمرارة‭ ‬كياني؛‭ ‬لأعودَ‭ ‬إِلى‭ ‬رشدي‭ ‬إثر‭ ‬هدير‭ ‬طائرة‭ ‬مروحية‭ ‬مرقت‭ ‬فوقي،‭ ‬فتملكني‭ ‬الرعب‭ ‬لقد‭ ‬أعادني‭ ‬صوتها‭ ‬الصاخب‭ ‬إِلى‭ ‬جبهات‭ ‬الحرب؛‭ ‬لبثتُ‭ ‬واجماً‭ ‬حتى‭ ‬لمحتُ‭ ‬صليباً‭ ‬أحمر‭ ‬على‭ ‬بدن‭ ‬الطوّافة‭ ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬بالهبوط،‭ ‬أطلقتْ‭ ‬حسرة‭ ‬طويلة‭ ‬وقد‭ ‬توترت‭ ‬أعصابي‭ ‬حين‭ ‬أدركتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬حادثاً‭ ‬مؤسفاً‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬الطريق،‭ ‬بينما‭ ‬نزل‭ ‬من‭ ‬الطوَّافة‭ ‬رجلان‭ ‬بملابس‭ ‬خضر‭ ‬وهرعا‭ ‬إِلى‭ ‬كنغر‭ ‬ينزف‭ ‬وسط‭ ‬الشارع،‭ ‬يبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬شاحنة‭ ‬حمل‭ ‬صدمته‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬يعبر‭ ‬الطريق،‭ ‬استغرق‭ ‬أخلاء‭ ‬الكنغر‭ ‬الجريح‭ ‬إِلى‭ ‬الطوّافة‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬تقريبا،‭ ‬حتى‭ ‬شاهدت‭ ‬المروحية‭ ‬تحلّق‭ ‬بسماء‭ ‬بدأت‭ ‬تمطر،‭ ‬بزغت‭ ‬ابتسامة‭ ‬حائرة‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬وهمستُ‭ ‬لنفسي‭ ‬بأسى‭:‬

 

‭- ‬ينقذون‭ ‬كنغراً‭ ‬بمروحية،‭ ‬وفي‭ ‬الوطن‭ ‬ينقلون‭ ‬جرحى‭ ‬الانفجارات‭ ‬بعربات‭ ‬الحمل‭.‬

 

لبثتُ‭ ‬أتأمل‭ ‬المشهد‭ ‬باستغراب‭ ‬وأجهشت‭ ‬بالبكاء‭.‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *