يبرز‭ ‬مشهد‭ ‬عراقي‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة‭ ‬والأسى‭ ‬معاً‭: ‬وزير‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬عدسات‭ ‬الكاميرات،‭ ‬يزف‭ ‬بشرى‭ ‬كأنها‭ ‬فتح‭ ‬مبين‭ ‬أو‭ ‬انتصار‭ ‬تاريخي،‭ ‬معلناً‭ ‬اكتمال‭ ‬صرف‭ ‬منحة‭ ‬متواضعة‭ ‬للصحافيين‭ ‬والكتاب‭ ‬والأدباء‭ ‬والفنانين،‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬〝‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬فئاتها‭ ‬〝‭ ‬خمسمائة‭ ‬دولار‭ ‬عراقي،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬قليلاً‭ ‬حسب‭ ‬الفئة‭).‬

 

يُقدم‭ ‬الوزير،‭ ‬هذا‭ ‬العطاء‭ ‬الزهيد‭ ‬كإنجاز‭ ‬عظيم،‭ ‬بينما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ملحمة‭ ‬من‭ ‬التأجيلات‭ ‬والوعود‭ ‬المتكررة،‭ ‬تارة‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬المصارف،‭ ‬وتارة‭ ‬تنتظر‭ “‬الإفراج‭”‬،‭ ‬فيتساءل‭ ‬أصحاب‭ ‬القلم‭ ‬عن‭ ‬مصيرها‭ ‬كأنها‭ ‬كنز‭ ‬دفين‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الدولة‭.‬

 

تبلغ‭ ‬السخرية‭ ‬ذروتها‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل،‭ ‬حيث‭ ‬يتبادل‭ ‬المثقفون‭ ‬أخبار‭ ‬التأخير‭ ‬أو‭ ‬الاقتراب،‭ ‬مصورين‭ ‬أنفسهم‭ ‬كمن‭ ‬يترقبون‭ ‬منّاً‭ ‬إلهياً‭.‬

 

أما‭ ‬السلطات،‭ ‬فتظهر‭ ‬كأنها‭ ‬توزع‭ ‬الصدقات‭ ‬على‭ ‬نخبة‭ ‬الكلمة‭ ‬والفكر،‭ ‬متناسية‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬حماة‭ ‬الوعي،‭ ‬لا‭ ‬متسولين‭ ‬عند‭ ‬أبواب‭ ‬الرحمة‭ ‬الحكومية‭.‬

 

وتكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأشد‭ ‬إيلاماً‭: ‬بينما‭ ‬تُقدم‭ ‬هذه‭ ‬المنحة‭ ‬بالتوسل‭ ‬والانتظار‭ ‬المهين،‭ ‬تغدق‭ ‬الوزارة‭ ‬نفسها‭ ‬وجهات‭ ‬أخرى‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬–‭ ‬بل‭ ‬الملايين‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬على‭ ‬مهرجانات‭ ‬شكلية،‭ ‬تستدعي‭ ‬كتاباً‭ ‬عرب‭ ‬وفنانين‭ ‬أجانب‭ ‬إلى‭ ‬فنادق‭ ‬فاخرة،‭ ‬تحت‭ ‬شعارات‭ ‬براقة‭ ‬للثقافة‭ ‬والفن،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬استعراضات‭ ‬فارغة،‭ ‬تبذر‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الزينة‭ ‬والضيافة‭ ‬دون‭ ‬أثر‭ ‬حقيقي‭ ‬يُذكر‭.‬

 

فلماذا‭ ‬يسكت‭ ‬هؤلاء‭ ‬المثقفون‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإسراف‭ ‬الفاضح،‭ ‬ولا‭ ‬يرفعون‭ ‬صوتاً‭ ‬احتجاجاً‭ ‬على‭ ‬التبذير‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفعاليات؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الخوف‭ ‬الدفين‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬ذلك‭ ‬الفتات‭ ‬السنوي،‭ ‬الذي‭ ‬يصبح‭ ‬رباطاً‭ ‬يخنق‭ ‬الصوت‭ ‬ويقيد‭ ‬الكرامة؟‭.‬

 

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ينشر‭ ‬كاتب‭ ‬معروف‭ ‬بشرى‭ “‬حسم‭ ‬الأمر‭” ‬كأنه‭ ‬يعلن‭ ‬نصراً‭ ‬تاريخياً،‭ ‬ويشكر‭ ‬آخرون‭ ‬الوزير‭ ‬علناً‭ ‬على‭ “‬العطاء‭ ‬العظيم‭”.‬

 

أليس‭ ‬هذا‭ ‬تناقضاً‭ ‬يعري‭ ‬النفاق‭ ‬السائد؟‭ ‬فمعظمهم‭ ‬يتقاضى‭ ‬رواتب‭ ‬وظيفية‭ ‬أو‭ ‬تقاعدية‭ ‬كريمة‭ ‬نسبياً،‭ ‬فلماذا‭ ‬يقبلون‭ ‬بدور‭ ‬المهانين،‭ ‬ولماذا‭ ‬يرضى‭ ‬الوزير‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬يدّعي‭ ‬تمثيل‭ ‬الثقافة‭ ‬–‭ ‬بصورة‭ ‬المانح‭ ‬السخي‭ ‬لفتات‭ ‬يُقدم‭ ‬كإنجاز،‭ ‬في‭ ‬دعاية‭ ‬شخصية‭ ‬فجة‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬على‭ ‬أحد؟‭.‬

 

ولو‭ ‬تخلت‭ ‬الوزارة‭ ‬وجهات‭ ‬ممولة‭ ‬أخرى،‭ ‬عن‭ ‬مهرجان‭ ‬استعراضي‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬لوفرت‭ ‬أضعاف‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬الزهيد،‭ ‬يُمنح‭ ‬لأصحاب‭ ‬القلم‭ ‬بكرامة‭ ‬دون‭ ‬تذلل‭ ‬أو‭ ‬انتظار‭. ‬

 

‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬اختلطت‭ ‬فيه‭ ‬السياقات،‭ ‬وتبدلت‭ ‬المواقف،‭ ‬وتشابكت‭ ‬النيات،‭ ‬تبقى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاقتراحات‭ ‬أحلاماً‭ ‬بعيدة‭.‬

 

إن‭ ‬الكاتب‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يتسول،‭ ‬بل‭ ‬يبني‭ ‬الوعي‭ ‬ويعري‭ ‬الزيف،‭ ‬محافظاً‭ ‬على‭ ‬كرامته‭ ‬كما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬قلمه‭.‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *