فلاح الكلابي
في عام ٢٠٠٩، كان عمر ابني محمد اثني عشر عاماً، ووقتها اختار بنفسه أن يدخل الحوزة الدينية. لم أكن أفرض عليه طريقاً، بل كنت أراقبه من بعيد، وهو ينحت ملامحه بيديه. وذات مساء، مازحته قائلًا: “كيف تدرس دينًا وتطمح أن تكون شيخاَ ولا تحفظ القرآن؟” ضحك ولم يجب. ولم أكن أعلم أن صمته يومها لم يكن عجزاً، بل عزيمة تُخبّأ خلف الستار. وبعد عام ونصف، عاد إليّ، بهدوئه المعتاد، وقال لي: “أنا أتممت حفظ نصف القرآن، وجاهز لتختبرني.” حينها فقط، أدركت أنه لا يعيش اللحظة مثلنا، بل يسابقها. وأنه لا يردّ على السؤال بالكلام، بل بالفعل.
في تلك اللحظة، لم يكن محمد مجرد ابنٍ، بل صار علامة استفهام كبرى في حياتي. كنت أُفكر كثيراً: كيف لطفلٍ في العاشرة أن يسأل أسئلة تتجاوز سنيّ؟ أسئلة لم أملك جواباً لها، لا لأنني لم أعرف، بل لأنني لم أُفكر بها أصلًا. ومنذ طفولته، كان من حوله يقولون: هذا الصغير لا يُشبه أقرانه. فيه شيء مختلف. فيه ذكاء لا يُقلق، بل يُربك. هدوءٌ لا يدل على الخجل، بل على تركيزٍ عميق. لم يكن كثير الكلام، لكنه حين يتكلم، يصيب قلب الفكرة.
ومنذ صغره، كان لمحمد ذلك البُعد في النظر الذي يُربك الكبار. لم يكن يرى الأشياء كما نراها، بل كما ستصير إليه. كم من مرةٍ تحدّث عن أمرٍ فاستغربنا رأيه، أو ابتسمنا ظنًّا أنه يُبالغ، ثم تمضي الأيام لنكتشف أنه كان الأصدق رؤية، والأعمق بصيرة. كنت أحياناً أشكّ فيه — لا شكّ الريبة، بل شكّ الدهشة — كيف لطفلٍ أن يتنبّه لما نعجز نحن عن التقاطه؟ كيف له أن يقرأ ما بين السطور، ويشمّ رائحة القادم في هواء العابر؟ لقد علّمني أن الحدس حين يُصاحبه وعي، يصير نوعاً من النبوغ، وأن العقول الكبيرة لا تُقاس بما تعرف، بل بما تستشرف.
واليوم، في عيد ميلاده، لا أحتفل فقط بتاريخ ولادته، بل أحتفل بميلاد رجلٍ صغير سكنني فخره قبل أن يكبر. أحتفل بالطفل الذي لم يكن “نسخة مصغرة” من أحد، بل مشروع إنسان يخط طريقه بنفسه، بعقله، وبفطرته الطاهرة. أحتفل بالشاب الذي علّمني – دون أن يقصد – أن التربية ليست تلقيناً، بل إصغاء. وأن الأبوة لا تُقاس بما نعطي، بل بما نُبصر ونفهم.
ما أود قوله اليوم ليس مجرد تهنئة، بل شهادة. شهادةُ أبٍ شهد على نشوء عقلٍ نابه، وروحٍ نقيّة، وسيرةٍ تتجه بثبات نحو معنى خاص، لا يُكرر أحداً، ولا يُقلّد ظلًا.
اليوم، يدخل محمد عامه الخامس و العشرين. 25 سنة من النضج، والعمل، والتكوين الذاتي. أصبح رجلًا له اسمه، وله حضوره، وله تأثيره الذي يصعب على كثيرين في عمره أن يقتربوا منه. أدباء وشعراء عرب من مختلف البلدان يتصلون بي لتهنئتي على محمد، ليس فقط كأبٍ أنجبه، بل كإنسانٍ أثّر فيهم، بثقافته، وأسلوبه، ووعيه. هو شابٌ نال شهادات عديدة، وتعلّم كثيراً، لكن الأهم أنه لم يتعلّم ليتباهى، بل ليفهم، ويُضيء، ويبني أثراً لا يُنسى.
وعندما أدخل أي مجلس، ويُذكر اسمه، تتغير ملامحي دون أن أشعر. يرتفع رأسي، ويكبر قلبي، فأنا لا أسمع الثناء عليه فحسب، بل أراه يُترجم إلى احترامٍ حيّ في عيون الناس.
لقد صار صوته حاضراً، ورأيه مسموعاً، وبصيرته ناضجة، وكل ما فيه يدل على أنه لم يُولد ليكون عابراً. أنا أعلم… أن يوما ما، سيحمل اسمه وزناً يتجاوز الزمان. سيكون له تأثير في هذا العالم. سيكون له ذكرٌ تحمله الأجيال القادمة، وسيرته ستُروى كما تُروى قصص الذين غيّروا، وأضافوا، وبصموا.
كل عام وأنت كما كنت:
هويّتك فيك،
لا على كتف أحد.
وصوتك صادق،
حتى حين يصمت.
وطريقك واضح،
حتى إن ضلّ الناس من حولك.
كل عام وأنت بخير يا محمد، كل عام وأنا أراك تكبر، لا بالعمر فقط، بل بالقيمة. وكل عام وأنا ممتنّ، أن من بين كل من وُلدوا، جئتَ أنت… بكُلّ هذا الذكاء، وبكلّ هذا النور، وبكلّ هذا الفخر.
