بكل‭ ‬بساطة‭ ‬أقول‭: ‬ان‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬هو‭ ‬الداء‭ ‬الذي‭ ‬انهك‭ ‬كلاً‭ ‬منهما،‭ ‬ومكن‭ ‬الأعداء‭ ‬في‭ ‬تركيعهما‭ ‬وتطويعهما‭ ‬وإذلالهما‭. ‬كيف‭ ‬حصل‭ ‬ذلك؟

في‭ ‬البدء‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الاشكالية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬هي‭ ‬اشكالية‭ ‬عويصة‭ ‬لأسباب‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬معنى‭ ‬العروبة‭ ‬كأمة،‭ ‬وحتى‭ ‬الإسلام‭ ‬كدين‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬تدفعني‭ ‬الجرأة‭ ‬الى‭ ‬طرح‭ ‬هذه‭ ‬الاشكالية‭ ‬ووجهة‭ ‬نظر‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬جذورها‭ ‬ووضع‭ ‬معالم‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬حلها‭.‬

ان‭ ‬العروبة‭ ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬اخلاق‭ ‬انسانية‭ ‬وحضارة‭ ‬لغة‭ ‬بارعة‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬افكار‭ ‬الإنسان‭ ‬وأحاسيسه‭ ‬وسعة‭ ‬خياله‭ ‬وتطلعاته‭ ‬وميوله‭ ‬ورغباته‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الإسلام،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬له،‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬دين‭ ‬تسامح‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً‭ ‬يهديهم‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬يخدمهم‭ ‬ويصلح‭ ‬حالهم‭ ‬ويسعدهم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬وآخرتها‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فان‭ ‬العروبة‭ ‬ليست‭ ‬صفة‭ ‬عرقية‭ ‬ولا‭ ‬جنس‭ ‬بشري‭ ‬محدد‭ ‬الصفات‭ ‬الجينية،‭ ‬وليس‭ ‬الإسلام‭ ‬بدين‭ ‬اكراه‭ ‬واقصاء‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يكره‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب§‭ ‬هو‭ ‬واهم‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬العروبة‭ ‬أو‭ ‬متعنصر‭ ‬لقوميته‭ ‬العرقية‭ ‬أو‭ ‬الاثنية،‭ ‬مع‭ ‬فهمنا‭ ‬وتقديرنا‭ ‬لمن‭ ‬عاش‭ ‬تجارب‭ ‬عنصرية‭ ‬أو‭ ‬هيمنة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬لمن‭ ‬فهم‭ ‬العروبة‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬جنساً‭ ‬متميزاً‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الاسلام‭ ‬او‭ ‬من‭ ‬إدعاه‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬وجب‭ ‬عليه‭ ‬القتل‭ ‬أو‭ ‬النفي‭ ‬أو‭ ‬السجن‭ ‬أو‭ ‬أية‭ ‬عقوبة‭ ‬بشرية‭ ‬أو‭ ‬الهية‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬إنسانياً‭ ‬أو‭ ‬وطنياً،‭ ‬فإنما‭ ‬ارتكب‭ ‬إثماً‭ ‬لا‭ ‬يغفر‭ ‬له‭ ‬عليه‭. ‬واذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرفع‭ ‬شعار‭ ‬الجزية،‭ ‬لغرض‭ ‬التدليل‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬نقول‭ ‬له‭: ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الجزية‭ ‬هي‭ ‬بدل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬بلد‭ ‬المسلمين‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجبرون‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها‭ ‬كبلد‭ ‬اسلامي‭. ‬هناك‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬وفي‭ ‬بلدان‭ ‬اسلامية‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬البدل‭ ‬النقدي‭ ‬مقابل‭ ‬اعفائه‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭. ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬فان‭ ‬قوانين‭ ‬اكثر‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الاغلبية‭ ‬المسلمة‭ ‬لا‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬في‭ ‬واجب‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬الالزامية‭. ‬كما‭ ‬وان‭ ‬أصل‭ ‬وجوب‭ ‬دفع‭ ‬الجزية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬غير‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬وممن‭ ‬كفر‭ ‬بالاسلام‭ ‬وقاتله‭ ( ‬وهم‭ ‬صاغرون‭) ‬فمعناها‭ ‬انهم‭ ‬يدفعون‭ ‬ذلك‭ ‬بكره‭ ‬ودون‭ ‬رغبة‭ ‬منهم،‭  ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬توجب‭ ‬عليهم‭ ‬ان‭ ‬يدفعوها‭ ‬لمن‭ ‬هو‭ ‬جالس‭ ‬وهم‭ ‬قائمون‭. ( ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬اجتهد‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬أدعي‭ ‬الفتوى‭ ‬أو‭ ‬الصواب‭)‬

منذ‭ ‬بدايات‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬العرب‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬الصحابة‭ ‬العرب‭ ‬ونزلت‭ ‬رسالتها‭ ‬بلغتهم‭ ‬وكلفوا‭ ‬بأمانة‭ ‬حملها‭ ‬باختيار‭ ‬الله‭ ‬وتكليفه‭ ‬لهم‭ ‬بها‭ ‬لأسباب‭ ‬هو،‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬أدرى‭ ‬بها،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الدعوة‭ ‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬نهجها‭ ‬وغاياتها،‭ ‬فلم‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬مسلم‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬أعجمي‭. ‬هذه‭ ‬النوايا‭ ‬الصافية‭ ‬وذلك‭ ‬النهج‭ ‬الهادي‭ ‬وقرآنه‭ ‬العربي‭ ‬جعلت‭ ‬ممن‭ ‬آمن‭ ‬بتلك‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬ملتزماً‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬وجسد‭ ‬تلك‭ ‬الأمة‭ ‬الجديدة‭ ‬بخصوصيات‭ ‬هويتها‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليتحمل‭ ‬ما‭ ‬وحد‭ ‬العرب‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬الإسلام،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬هذب‭ ‬أخلاقهم‭ ‬وهداهم‭ ‬الى‭ ‬الحق‭ ‬وشد‭ ‬من‭ ‬عزيمتهم‭ ‬لتقدم‭ ‬الصفوف‭ ‬في‭ ‬حمل‭ ‬خاتم‭ ‬الرسالات‭ ‬والدعوة‭ ‬لها‭.‬

لقد‭ ‬انقسم‭ ‬اولئك‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬الى‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬يحمل‭ ‬الضغينة‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬وقلبه‭ ‬وراح‭ ‬يعمل‭ ‬عقله‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬الخبائث‭ ‬بالدس‭ ‬والتآمر‭ ‬واشعال‭ ‬الفتن‭ ‬ويتربص،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬سلك‭ ‬طريق‭ ‬البحث‭ ‬والعلم‭ ‬والتعمق‭ ‬فيه‭ ‬وبرز‭ ‬علماً‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين،‭ ‬وآخرون‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬صلح‭ ‬اسلامه‭ ‬فجاهد‭ ‬في‭ ‬الله‭ ‬حق‭ ‬جهاده،‭ ‬فصلح‭ ‬من‭ ‬صلح‭ ‬وأساء‭ ‬من‭ ‬أساء‭.‬

وحيث‭ ‬ان‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬دين‭ ‬هداية‭ ‬للناس‭ ‬كافة،‭ ‬فقد‭ ‬دخل‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬وغير‭ ‬العرب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬وشعوب،‭ ‬ايماناً‭ ‬وقناعة،‭ ‬أو‭ ‬مسايرة‭ ‬وانتهازاً‭!‬

ومع‭ ‬مر‭ ‬الزمن‭ ‬وتقلبات‭ ‬أمواج‭ ‬بحره،‭ ‬يرتفع‭ ‬المؤمنون‭ ‬الصادقون‭ ‬تارة،‭ ‬وينتهز‭ ‬الحاقدون‭ ‬الكاذبون‭ ‬والمنافقون‭ ‬ومن‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬مرض‭ ‬الزمن‭ ‬للطعن‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬والغدر‭ ‬بأصحابه‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭.‬

لقد‭ ‬عاش‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمون‭ ‬تارة‭ ‬أوجاع‭ ‬الروح‭ ‬وتارة‭ ‬أوجاع‭ ‬الجسد‭. ‬اوجاع‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬صفاء‭ ‬الايمان،‭ ‬وأوجاع‭ ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬كلف‭ ‬بحمل‭ ‬الرسالة،‭ ‬فوقعوا‭ ‬فيهما‭ ‬ضرباً‭ ‬وانتقاماً‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلاً‭ ‬عليهم‭ ‬تقبل‭ ‬واقع‭ ‬العرب‭ ‬البدو‭ ‬المتفرقين‭ ‬المتخلفين‭ ‬ان‭ ‬يتقدموا‭ ‬الصفوف‭ ‬ويعتلوا‭ ‬المنابر‭ ‬والكراسي‭ ‬باسم‭ ‬ما‭ ‬يحملونه‭ ‬من‭ ‬رسالة‭ ‬الإسلام‭. ‬وهكذا‭ ‬انتهى‭ ‬الأمر‭ ‬الى‭ ‬اشعال‭ ‬الفتنة‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬في‭ ‬ضرب‭ ‬عصفورين‭ ‬بحجر‭! ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وركوب‭ ‬موجة‭ ‬السلطة‭ ‬ثانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسلم‭ ‬قيادة‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬ردائه‭ ‬الذي‭ ‬يناسبهم‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬وهكذا‭ ‬عاد‭ ‬القيصر‭ ‬وحكم‭ ‬السلطان‭ ‬وأزيحت‭ ‬خلافة‭ ‬العرب‭.‬

ان‭ ‬من‭ ‬زرع‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬هم‭:‬

‭-‬العرب‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المؤمنين‭ ‬والمستعدين‭ ‬لتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬نشر‭ ‬دعوة‭ ‬الاسلام‭ ‬في‭ ‬التزاماتها‭ ‬واشتراطاتها‭.‬

‭- ‬ير‭ ‬العرب‭ ‬ممن‭ ‬أحس‭ ‬بضياع‭ ‬ملك‭ ‬وجاه‭ ‬وراح‭ ‬متربصاً‭ ‬الايقاع‭ ‬بمن‭ ‬اذهب‭ ‬عنه‭ ‬الملك‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭.‬

‭- ‬الآخرون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬ممن‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬زرع‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬العرب‭ ‬وغيرهم‭ ‬فائدة‭ ‬وفرصة‭ ‬له‭.‬

ان‭ ‬واقع‭ ‬تردي‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭ ‬منذ‭ ‬بعض‭ ‬القرون‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬منذ‭ ‬بعض‭ ‬العقود‭ ‬منه،‭ ‬قد‭ ‬ايقظ‭ ‬ودفع‭ ‬بالاقليات‭ ‬الاثنية‭ ‬والدينية‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬بين‭ ‬ظهراني‭ ‬مجتمعات‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬المسلمة‭ ‬الى‭ ‬التذمر‭ ‬والتمرد‭ ‬ومحاولات‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬اسلامي،‭ ‬تدعمهم‭ ‬وتشجعهم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قوى‭ ‬خارجية‭.‬

ان‭ ‬العرب‭ ‬المسلمين‭ ‬اليوم‭ ‬مطالبون‭ ‬بالعمل‭ ‬والسعي‭ ‬ومجاهدة‭ ‬النفس‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬والبناء‭ ‬والتقدم‭ ‬وامتلاك‭ ‬أسباب‭ ‬القوة‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬أرادوا‭ ‬حماية‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭ ‬وقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬المتربصين‭ ‬بكليهما،‭ ‬وبدونه‭ ‬فإن‭ ‬الانحدار‭ ‬ماض‭ ‬الى‭ ‬حيث‭ ‬يشاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭.‬

بيد‭ ‬اننا‭ ‬سنبقى‭ ‬مؤمنين‭ ‬بوعد‭ ‬الله‭:‬

انا‭ ‬نحن‭ ‬نزلنا‭ ‬الذكر،‭ ‬وانا‭ ‬له‭ ‬لحافظون”‭.‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *