هناك أشياء لا يدركها إلا من عاشها. أشياء لا تُقال بالكلمات، ولا تُختصر بالعبارات المستهلكة. أنت تعرفها، وأنا أعرفها. نحن الذين مررنا بظلال الحياة لا بضيائها، الذين أكلنا من خبز القلق وشربنا من كأس الخوف، نعرف ما يعنيه أن تكون بلا اسم، بلا هوية، بلا وطن.

كم مرة تساءلنا: هل نحن موجودون حقًا؟ أم أننا مجرد ظلال تمشي في الطرقات؟ نختبئ من أنظار الشرطة كما يختبئ الطائر المكسور من صياده، نراقب سياراتهم بخوفٍ بات جزءًا منا، حتى صرنا نعرفها كما نعرف وجوهنا في المرآة. كنا نمشي كالغرباء في أرضٍ كنا نحلم أن نكون جزءًا منها، لكنها دفعتنا لنعيش على الهامش، نختبئ لا من الناس، بل من الحياة نفسها.

أباذر، أنا وأنت لم نكن مجرد أصدقاء. كنا شركاء في كل شيء. شركاء في ضحكنا الذي كان سلاحنا الوحيد، شركاء في حزننا الذي كنا نخفيه كأنه عار، وشركاء حتى في جوعنا. كنا نقسم لقمة واحدة، ونضحك عليها كأنها وليمة، لا لأننا شبعنا، بل لأن الضحك كان الشيء الوحيد الذي يذكرنا بأننا ما زلنا أحياء.

كنا نكابر يا أباذر. نكابر خوفًا من أن يرى أحد ضعفنا، من أن يلمح أحد انكسارنا. كنا نضع على وجوهنا أقنعة من القوة بينما قلوبنا كانت تتآكل من الداخل. كنا نضحك على أي شيء، وإن لم نجد شيئًا نضحك عليه، ضحكنا على أنفسنا.

واليوم، بعد كل هذا الطريق الطويل، حصلتَ على الإقامة. لكنها ليست مجرد ورقة. هي أكثر من ذلك بكثير. إنها شعورٌ بأنك أخيرًا موجود. بأنها شهادة بأنك لست ظلًا، بأنك إنسان له اسم وحلم ومستقبل. الإقامة ليست فقط حقك في البقاء هنا، بل هي حقك في أن تحلم، في أن تبني، في أن تقول لنفسك: “الآن لدي هدف، وبإمكاني أن أعمل عليه.”

السويد فعلت بنا الكثير. جردتنا من شعورنا بالأمان، أرهقتنا في كل خطوة، ودفعتنا للعيش كالغرباء في أرضها. لكنها لم تنتصر. لأننا، أنا وأنت، كنا أقوى من كل شيء. كنا نحمل أحلامنا على أكتافنا الثقيلة، ونسير بها رغم كل الرياح. واليوم، أنت إثباتٌ حي بأن الحلم، حتى لو تأخر، لا يموت.

أباذر، أنت لم تحصل على إقامة فقط. أنت حصلت على حياة جديدة، على فرصة أن تمسك زمام أمرك أخيرًا. والآن، هذا ليس وقت الراحة. هذا وقت أن تبدأ. أن تُثبت أن كل لحظة ألم عشناها لم تذهب عبثًا.

دعنا نتفق يا صديقي، أن هذه ليست نهاية الرحلة. إنها بداية حقيقية، بداية لحياة كنا نحلم بها ونحن نتقاسم جوعنا وضحكاتنا. واليوم، نضحك ليس لأننا مضطرون، بل لأننا انتصرنا.

من رفيق دربك، الذي شاركك كل شيء… حتى الألم.

قبل infoaktub

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *