محمد الكلابي
قد يسأل الإنسان نفسه في لحظة هادئة: كيف يمكن أن أؤمن بوجود الله وأنا لا أراه؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة يمسّ أصل نظرتنا للحياة. لأن الإيمان بالله ليس مجرد عادة أو تقليد اجتماعي، بل هو جواب عن أسئلة أكبر: من أين جاء هذا الكون؟ لماذا أنا موجود؟ ما معنى الحياة؟ وللإجابة لا نحتاج إلى أفكار معقّدة، بل إلى تأمل صادق في أمور نعيشها كل يوم. فالعقل البشري لا يبني قناعاته على ما تراه العين فقط، بل على ما يدل عليه الأثر، وعلى ما يفرضه المنطق من بداهات.
فنحن نؤمن بكثير من الأشياء التي لا نراها، لا لأن أحداً أجبرنا، بل لأن آثارها أمامنا لا يمكن إنكارها. أنت لا ترى الهواء، لكنك تشعر به حين تتنفس، وتختنق حين يُحبس عنك، وتراه في حركة الأشجار والغبار. أنت لا ترى الجاذبية، لكنك تراها في سقوط الأشياء، وفي ثباتك على الأرض، وفي أن كل قفزة تعود بك إلى الأسفل. أنت لا ترى الكهرباء بعينك، لكنك تراها في الضوء الذي يشتعل، وفي الأجهزة التي تعمل، وفي الصعقة التي تشعر بها إن لمست سلكاً مكشوفاً. بل خذ مثالاً أقرب: أنت لا ترى عقلك ولا أفكارك ولا مشاعرك، ومع ذلك لا تشك أنك تفكر وتحب وتكره وتخاف وتطمئن. إذن ما الذي يجعلنا نؤمن بكل هذا رغم أننا لا نراه؟ السبب بسيط: لأننا نرى أثره. فهل من العدل أن نقبل بهذا المنطق في كل شيء، ثم نستثني الله وحده ونقول: “ما دمت لا أراه إذن لا وجود له”؟ أليست هذه قاعدة لو طبّقناها على حياتنا كلها لانهارت؟ لذلك فغياب رؤية الله لا يعني غياب وجوده، بل يعني فقط أن طريق معرفته ليس طريق العين، بل طريق العقل الذي يستدل بالغائب من آثاره.
وحين ننظر حولنا نجد أن أبسط الأشياء تعلّمنا قاعدة واضحة: كل ما له بداية لا بد له من سبب. لا شيء يظهر من العدم. لو وجدت حجراً فوق طاولتك فلن تقول إنه جاء وحده من لا شيء، بل ستعلم أن أحداً نقله. ولو رأيت بيتاً فلن يخطر ببالك أنه تراكم صدفة، بل ستعرف أن هناك من بناه ورتّب حجره فوق حجر. ولو رأيت ساعة أو هاتفاً فلن تقول إن أجزاءه تجمعت مصادفة حتى صارت جهازاً يعمل بدقة، بل ستقول فوراً: هذا له صانع. لماذا؟ لأن وجود النظام والترتيب يعني وجود مَن رتّبه. وهذه ليست فلسفة، بل طريقة تفكير فطرية يعيش بها الناس جميعاً. والسؤال هنا بسيط جداً: إذا كانت الأشياء الصغيرة في حياتنا لا نقبل أن تكون بلا سبب، فكيف نقبل أن يكون الكون كله بلا سبب؟ وإذا كانت الساعة تحتاج صانعاً، فكيف يكون جسمك، الذي هو أعقد من أي ساعة بملايين المرات، بلا صانع؟ هل يعقل أن نطالب بسبب لبيت صغير ونرفض السبب لكون كامل؟
ثم نأتي إلى الكون نفسه. العلم اليوم يقول بوضوح إن الكون لم يكن موجوداً ثم وُجد، أي أن له بداية. ومعنى “له بداية” واضح جداً: كان هناك وقت لم يكن فيه هذا الكون موجوداً أصلاً، ثم بدأ بالوجود. وحين نفهم هذا المعنى يظهر السؤال تلقائياً: إذا كان الكون قد بدأ، فمن الذي جعله يبدأ؟ هل بدأ من نفسه؟ كيف يبدأ الشيء من نفسه وهو لم يكن موجوداً بعد؟ هل بدأ من لا شيء؟ لكن اللاشيء لا يصنع شيئاً، لأنه لا يملك قدرة ولا مادة ولا إرادة. نحن لا نرى “العدم” يصنع أي شيء في حياتنا اليومية، فكيف ننتظر منه أن يصنع أعظم شيء: الكون كله؟ إذن لا بد أن يكون هناك سبب أوجد الكون. وهذا السبب لا يمكن أن يكون من داخل الكون، لأن الكون نفسه لم يكن موجوداً حينها. وبطريقة أبسط جداً نقول: السبب الذي خلق الكون لا يشبه الكون، لأنه خالقه. فصانع البيت ليس حجراً من البيت، ومبرمج الهاتف ليس قطعة من الهاتف، ورسّام اللوحة ليس لوناً من ألوانها. إذن خالق الكون ليس جزءاً من الكون، بل هو الذي أوجده من خارجه. لذلك يجب أن يكون هذا الخالق موجوداً قبل الكون، وقادراً على إيجاد الكون كله، وغير محتاج إلى من يوجده. وهذا الوصف عندما نفكر فيه بهدوء لا ينطبق إلا على معنى واحد: الله.
لكن الدليل لا يقف عند فكرة البداية فقط. فلو كان الكون فوضى عمياء لربما قال أحد: صدفة. لكن ما نراه هو نظام محكم ودقة مذهلة. الشمس لا تتأخر دقيقة عن شروقها وغروبها، الأرض تدور في مسار ثابت، القمر في موضع محسوب، الليل والنهار يتبادلان بانتظام، قوانين الطبيعة لا تتغير فجأة، ولو اختلت قوة الجاذبية أو مقدار الحرارة أو نسبة الأكسجين قليلاً لما أمكن للحياة أن توجد. فهنا يظهر سؤال طبيعي جداً: هل رأيت صدفة تصنع نظاماً دائماً؟ هل رأيت انفجاراً يخرج منه بيت مرتب؟ الانفجار في حياتنا يخرّب ولا يبني، والفوضى تنتج فوضى لا قانوناً. فإذا كان كل ما في الكون قائماً على قانون ونظام وتوازن دقيق، فمن المنطقي أن نقول: وراء هذا النظام منظّم، ووراء هذا التوازن مَن أوجده على هذا النحو.
ثم حين نقترب من الإنسان تتضح الصورة أكثر. في داخل كل خلية من خلاياك “كتاب تعليمات” اسمه DNA. هذا الكتاب ليس فكرة خيالية، بل حقيقة علمية بسيطة: إنه مجموعة معلومات هائلة تخبر الخلية كيف تبني جسدك وكيف تعمل أعضاؤك. وفي هذا الكتاب مليارات التعليمات مرتبة ترتيباً محكماً، كما تُرتَّب كلمات كتاب كبير جداً. والسؤال البسيط هنا: هل يمكن لكتاب مليء بالمعلومات المنظمة أن يظهر بالصدفة؟ هل يمكن أن تُرمى حروف عشوائية في الهواء فتسقط على الورق قصيدة متقنة؟ إن وجود المعلومات بحد ذاته دليل على وجود عقل يكتبها. وإذا كنا لا نقبل أن برنامجاً صغيراً في هاتف جاء بلا مبرمج، فكيف نقبل أن برنامج الحياة في كل خلية جاء بلا واضع؟
ثم نصل إلى ما هو أعمق من الجسد: الوعي والضمير والأخلاق. أنت تشعر أن الظلم قبيح حتى لو لم يعلّمك أحد، وتحس أن العدل جميل، وتفهم معنى الصدق والخيانة قبل أن تقرأ عنهما. لماذا؟ من أين جاء هذا الإحساس الداخلي؟ هل المادة تُنتج معنى؟ هل الذرات تعرف الخير والشر؟ هل قوانين الفيزياء تقول لك: “لا تقتل، لا تظلم، لا تخن”؟ طبعاً لا. إذن وجود الضمير والوعي ومعنى الخير والشر في داخلنا يشير إلى أن الإنسان ليس مجرد مادة تتحرك، بل كائن له بُعد أعمق، بُعد يدل على أن وراءه خالقاً حكيمًا وضع فيه هذه الفطرة وهذا الإدراك.
وقد يسأل أحدهم: إذا كانت هذه الآثار واضحة، فلماذا لا نرى الله مباشرة؟ والجواب أقرب مما نتصور. نحن في حياتنا نعرف أشياء كثيرة من آثارها دون أن نراها. الجنين في بطن أمه لا يرى أمه، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يقول إن الأم غير موجودة، لأن الجنين يعيش بها ويتغذى منها. عدم رؤيته لها ليس نفياً لوجودها، بل لأن مرحلته لا تسمح بالرؤية. وهكذا نحن: نرى آثار الله في كل شيء، لكننا لسنا في المرحلة التي نراه فيها. حياتنا ساحة اختبار ومعرفة، وإدراك الخالق يكون بالعقل والتأمل، لا بالرؤية المادية المباشرة.
وعندما نجمع هذه الأمور كلها بهدوء نجدها تشكل طريقاً واحداً واضحاً: نحن لا نشترط رؤية الشيء لنؤمن به ما دام أثره واضحاً، وكل ما له بداية لا بد له من سبب، والكون له بداية، إذن له سبب خارج عنه، وهذا السبب لا يمكن أن يكون الكون نفسه ولا شيئاً من داخله، والنظام والدقة في الكون يستحيل أن تكون صدفة، والحياة تحمل معلومات هائلة لا تكتبها العشوائية، وفي الإنسان وعي وضمير وأخلاق لا تفسرها المادة وحدها، ومع ذلك فالله يُعرف بآثاره لأن هذه الدنيا مرحلة اختبار. فإذا تآلفت هذه الحقائق معاً كان الاستنتاج واحداً لا يتغير: الإيمان بالله ليس فكرة بعيدة أو قفزة في الظلام، بل هو النتيجة الطبيعية لأبسط نظرة صادقة في الكون والإنسان.
وفي نهاية هذه الرحلة يتضح لنا أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نؤمن بالله؟ بل: كيف يمكن ألا نؤمن به، والكون من حولنا، والحياة في داخلنا، والعقل الذي نفكر به، والضمير الذي يحكمنا… كلها تشير إليه؟ إن الإيمان بالله في جوهره ليس سوى استجابة واعية لما يقوله الوجود كله بصوت واحد: لهذا الكون خالق، ولهذا النظام واضع، ولهذا المعنى مصدر، وذلك هو الله.
