كان الأديب العربي توفيق الحكيم يقول: انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم!.
لقد صدق الحكيم تماماً. أصبحت الرؤوس في الأقدام والأقدام في الرؤوس، وارتفع سعر أسوأ لاعب كرة في العالم ليكون أغلى من أكفأ أستاذ جامعي في الفيزياء، ومن أشهر عالم في الهندسة النووية، أو طبيب ماهر في جراحة القلب.
أكثر من هذا فإن لاعبين من طراز ليونيل ميسي، ونيمار، وكريستيانو رونالدو مثلاً، هم أكثر شهرة بين الناس وجمهورهم يفوق ملايين المرات جمهور شكسبير، وماركيز، والمتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس كما يقولون.
وكل أربع سنوات يقطع العالم تذكرة في انتظار موعد من الإثارة مع كأس العالم “المونديال” منذ أن وُلِدَ هذا الكأس على أرض أوروغواي في العام 1930 فتمضي الساعات سريعة، والأيام على عجل، والناس في غاية اللهفة، تتابع بالبهجة، وتترقب بالفرح، وتحلو السهرات الجميلة بعيداً عن جنرالات السياسة وكوابيسهم المفزعة.
بالطبع ليس هناك أمتع من أن تجلس متفرجاً في الملاعب، أو تتسمّر أمام شاشة التلفاز تتابع مباراة بكرة القدم وأنت تنفعل وتصفق، وأحياناً تزبد وترعد، وترى ما يفعله هؤلاء العشاق بحبيبتهم.
وفي الوقت نفسه ليس هناك أسوأ من هذه المتعة.. فهي تستهلك الأعصاب، وتوجع القلب، وترفع الضغط، وتجعلك تصرخ وتغضب، وتهدر وتهتف، في ثورة من الانفعال مع نفسك ومع الآخرين.
غريبة؟ نعم! لكن الأكثر غرابة أن ينتهي هذا الجنون الكروي إلى حروب دامية بين البلدان، ويسقط صرعى ومشردون مثلما حدث في “حرب المائة ساعة” أو “حرب المونديال”.
هذه الحرب لم تكن عنواناً لرواية، ولا قصة دراماتيكية، ولا من أفلام الخيال العلمي. بل حدثت بسبب مباراة في كرة القدم جمعت بين فريقي هندوراس والسلفادور ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم بالمكسيك في العام 1970، لتفتح من بعدها جروحاً عميقة.
منذ ذلك الوقت ضاع الشرف الرياضي الرفيع. فقدنا الروح الرياضية. ضاقت مساحات كبيرة بالمحبة. أريقت على جوانب هذا الشرف الدماء البريئة طعناً بالسكاكين، أو ركلاً بالأقدام، أو رمياً بالرصاص.
لم تعد كرة القدم أشرف الحروب كما قال شاعرنا الكبير محمود درويش. ولا عادت هذه الساحرة المستديرة يأتي إليها العالم من جهاته الأربع للمتعة. يوم كان المشجعون يحملون طبولهم ومزاميرهم يُطربون على صافرة الحكم، ويملأون المدرجات بالتصفيق.
فعلى وقع فوز أو خسارة شهدنا طرد سفراء بين دول وتوترات إقليمية، وقطع علاقات دبلوماسية، ومظاهرات احتجاج، وأعمال عنف، ودماء تغلي في العروق. وشهدنا إغلاق ملاعب مثلما حدثت ذات مرة في موقعة استاد بورسعيد أكبر مذبحة جماعية شهدها تاريخ الرياضة في بلاد الكنانة.
وعودة إلى محمود درويش فعندما انتهى موسم كأس العالم في العام 1986وانقضت نهاراته السعيدة ولياليه الحالمة، وفازت الأرجنتين بالكأس بمهارة أسطورتها الساحر مارادونا. يومها كتب درويش: ”يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟..
ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين”؟!.
تخيَّلْ ماذا نفعل نحن كذلك؟ وكيف سيمضي الوقت بعد أن ينتهي كأس العالم في الدوحة؟
