المصدر-صحيفة المستقل
ليس من السهل أن تصل الكاميرا إلى مكان يسبقك إليه الصمت.
في “نوك”، عاصمة غرينلاند الواقعة في أقصى شمال المحيط الأطلسي شمال شرق كندا، إحدى أبعد العواصم المأهولة في العالم، حيث تتحول المسافة إلى عزلة كاملة عن إيقاع الحياة.
سجّل المصور العراقي الألماني علي شبع إنجازاً يُحسب للعراق، بوصفه من أوائل المصورين العراقيين الذين وثّقوا الحياة في “نوك”، في تجربة تعكس قدرة واضحة على العمل داخل بيئات قاسية وتقديم مادة بصرية تتجاوز المشهد إلى فهمه.
“المستقل” تواصلت مع المصور علي شبع للوقوف على تفاصيل هذه التجربة، التي تكشف جانباً إبداعياً في كيفية تحويل المكان القاسي إلى مادة بصرية حيّة تحمل بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا.
ويقول شبع لـ“المستقل” إن وجوده في غرينلاند لم يكن مجرد زيارة، بل مسؤولية توثيقية، موضحاً أن “التجربة هناك ليست سياحية، بل نقل صورة حقيقية عن مكان مختلف تماماً”. ويضيف أن كونه مصوراً عراقياً يمنحه دافعاً إضافياً لتقديم عمل يليق بهذا الامتداد الفني.
لكن التجربة لم تكن مراقبة من الخارج فقط، بل انخراطاً مباشراً في تفاصيل قاسية. أثناء مرافقة الصيادين في قارب صغير وسط البحر، واجه شبع واحدة من أصعب لحظاته، حيث البرد الشديد وتأرجح القارب المستمر، ما جعل الحفاظ على التوازن والتصوير تحدياً مزدوجاً. ويقول: “لم يكن التحدي فقط التقاط الصورة، بل الاستمرار والعمل وسط هذه الظروف”.
ويضيف أن بعض معدات التصوير لم تعمل بالكفاءة المطلوبة بسبب درجات الحرارة المنخفضة، في حين كانت الكتل الجليدية المنتشرة في البحر تعزز الإحساس بالخطر والعزلة، ما جعل التجربة تتجاوز الجانب التقني إلى اختبار نفسي وجسدي.
ورغم ما وثّقه، بقيت هناك صور خارج الإطار. من أبرزها لقطة جوية للجزيرة باستخدام “الدرون”، كانت حاضرة بوضوح في خياله، لكنها لم تُنفذ بسبب القيود المفروضة على المنطقة وشدة الرياح. في بيئة لا يمكن التنبؤ بطقسها، يصبح التخطيط نفسه تحدياً، خصوصاً في التصوير الجوي.
تجربة علي شبع في “نوك” لا تختصر في صور التُقطت، بل في وعي بصري قادر على قراءة المكان والتقاط جوهره، وفي حضور عراقي يصل إلى أقصى أطراف العالم ليقدّم صورة مختلفة. وكما يختصرها: “ليست كل صورة يمكن التقاطها، مهما كانت مغرية”.

