في محاضرة علم النفس التربوي للدكتور أسعد سليم، لم تكن المحاضرة مجرد عرض لمفاهيم أكاديمية، بل تجربة معرفية فتحت باب التأمل والفهم الأعمق. كان أسلوبه يجمع بين الدقة العلمية وحكمة التجربة، فانتقلت الأفكار من إطارها النظري إلى واقع الحياة اليومية. لم يكتفِ بطرح المفاهيم، بل أعاد إحياءها في أذهاننا وربطها بتجاربنا الإنسانية القريبة.
ومن بين الأفكار التي طرحها، توقف عند قضية تربية الأبناء، وكيف يمكن أن تتحول محاولات الإصلاح أحياناً إلى طريق لا يقود إلى الفهم الحقيقي لشخصية الابن.
عرض تجربة لأحد الأثرياء الذي وفّر لابنه كل سبل الراحة. مع ذلك، فقد الابن اتجاهه وتجاوز الحدود، واستمرت المشكلة حتى بعد إرساله خارج العراق. التغيير في المكان لم يمس جوهر المشكلة، لأن التعامل لم يصل إلى فهم حقيقي للابن.
هذا الطرح أعادني مباشرة إلى تجربتي.
كان ابني من المتفوقين دراسياً، وكنا نرى فيه مشروع نجاح واضح. مع استخدام الهاتف والإنترنت في سن مبكرة، بدأ التراجع يظهر تدريجياً. ابتعد عن الدراسة، وفقد اهتمامه، وأصبح الوقت يمر دون هدف محدد.
اتخذت قراراً صعباً وأرسلته إلى أوروبا وهو في السادسة عشرة من عمره، وحده. كان القرار مليئاً بالقلق، لكنه كان مقصوداً كاختبار. اختبار لقدرة شاب في هذا العمر على إدارة يومه، وتحمل مسؤولياته، والتعامل مع اختياراته دون توجيه مباشر.
في الأيام الأولى، واجه صعوبة حقيقية. كل شيء كان جديداً عليه. تفاصيل الحياة اليومية، وتنظيم الوقت، واتخاذ القرار. كان هذا الاحتكاك المباشر كافياً ليضعه أمام نفسه.
مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ تحولاً مختلفاً. اهتمامه اتجه نحو مجالات محددة، يقضي معها وقتاً طويلاً دون ضغط. كان يعود إليها باستمرار، ويتحدث عنها بحماس واضح. هنا بدأت الصورة تتضح.
اقتربت منه أكثر في هذا الجانب. من خلال الحوار والمتابعة، اكتشفت أن لديه مهارات حقيقية، وكان يشعر بانتماء واضح لها. هذه المهارات لم تكن ظاهرة بهذا الشكل من قبل، لكنها ظهرت حين وجد مساحة يعيشها بطريقته.
بدأ العمل عليها بشكل تدريجي. صار يطوّر نفسه فيها، ويتعامل معها بجدية، ويبحث ويتعلم من تلقاء نفسه. هذا الاشتغال انعكس على بقية تفاصيل حياته. أصبح أكثر تنظيماً، وأكثر وعياً بوقته، وأدق في قراراته.
الطرح الذي قدّمه الدكتور أسعد كان يحمل قيمة كبيرة، لأنه يلفت الانتباه إلى نقطة يغفل عنها كثير من الآباء: داخل كل ابن مساحة قوة تنتظر من يلاحظها ويأخذها بجدية.
لكن ما خرجتُ به من التجربة أعمق من ذلك.
اكتشفت أن نقطة ضعف الابن ليست دائماً خللاً يجب إصلاحه، بل قد تكون إشارة دقيقة إلى اتجاه مختلف لم يُفهم بعد. ذلك الانسحاب من الدراسة، وذلك التشتت، لم يكن فراغاً كما بدا في البداية. كان بحثاً غير واعٍ عن مساحة يشعر فيها بأنه حاضر فعلاً.
حين وُضعت أمامه مسؤولية حقيقية، وبُعد عن المؤثرات المعتادة، ظهرت هذه المساحة بوضوح. لم نخلقها له، بل كانت موجودة، تنتظر ظرفاً يكشفها.
أحياناً ما يقلقنا في الأبناء يكون أقرب دليل على ما يمكن أن ينجحوا فيه، لو أُحسن فهمه.
تجربتي مع ابني ما زالت مفتوحة، لكن ما حدث بعد سفره كشف جانباً مهماً.
اكتشافه لما يجيده غيّر طريقته في التعامل مع نفسه قبل أي شيء آخر.
ربما نحتاج أن نسأل بوضوح:
ماذا لو كانت بعض أخطاء الأبناء رسائل دقيقة، لكننا نقرأها دائماً بطريقة خاطئة؟
