الهجوم بالطائرات المسيّرة التي قصفت دار الرئيس (نيجيرفان بارزاني) في محافظة دهوك لم يعد اعتداءً آثما فحسب، بل حدثا تاريخيا حاسما يظهر وبوضوح أن إقليم كوردستان لم يعد مرتعا مشاعا لكل من هب ودب من دون أن يدفع كلفا عالية، وأن قيادة إقليم كوردستان باتت تعدّ رقما صعبا بالغ الأهمية في المشهد السياسي الإقليمي والدولي، لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه.

وعلى هذا النحو فالهجوم لم تكن تبعاته تنحصر بدار رئيس الإقليم، لكنه يشكل اعتداءً على العملية السياسية وخرقا للدستور، لما يتمتع به رئيس الإقليم من منصب سيادي حاله حال رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس مجلس القضاء الأعلى.. فضلًا عن كون الضربة تحاول النيل من نهج أو أسلوب حكم يرتكز على التوازن، واحترام الآخر، ومعارضة أية سياسة تدفع نحو الصراعات المهلكة التي تزعزع المنطقة. وتضرب أية فرص للتعايش والتعاون في الشرق الأوسط الذي تغلب عليه لغة القوة، بدلًا عن اختيار نهج التمسك بالحكمة والتوازن والديمقراطية الهادئة التي تتسم بها شخصية نيجيرفان، الذي يقدّم أنموذجاً غير تقليدي يتبنى عقلية مرنة تتحرك باحترافية عالية.

وإزاء هذا النهج السياسي الذي يحظى باحترام دول العالم، يلاحظ المتتبع تجليات ذلك بعد ما تناولته وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة من إدانات واستنكارات بعد الهجوم التي استحوذت بشكل طاغٍ على تداعيات الحدث أكثر من خطورة الهجوم ذاته. إذ بعد ساعات قليلة، شرعت دول العالم الكبرى، في مشهد غير مألوف واستثنائي نادر: إذ ثمة اتصال من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وموقف مميز واضح وصريح من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، يعبر عن عمق العلاقة بين السوداني والبارزاني إذ أشاد بـ “مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين”. وفي السياق ذاته، أمر السوداني بـ”تأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة المعنية في الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتحقيق في جوانب الحادث…” فضلًا عن تلقيه اتصالا من رئيس الامارات ورسالة من العاهل الاردني وكذلك الموقف الأوروبي وكذلك ادانت وزارة الخارجية القطريةهذا الاستهداف، وهناك اتصال من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وادانة الامر من قبل وزارة الخارجية الاميركية هذا الدعم والتضامن لم يندرج ضمن السياقات البروتوكولية، بل هي مواقف سياسية واضحة تشير إلى أن استهداف كوردستان حدث عالمي يتطلب من المجتمع الدولي تحديد المواقف

هذا الإجماع يعكس حقيقة أعمق: أن القيادة التي تمثل الاستقرار في منطقة مضطربة تتحول تلقائياً إلى نقطة ارتكاز في الحسابات الدولية. فنيجيرفان بارزاني لم يبنِ حضوره عبر الخطاب التصعيدي أو الانخراط في محاور الصراع، بل عبر سياسة متوازنة أبقت الإقليم بعيداً عن الانفجار، وحافظت على جسور التواصل مع بغداد، ونسجت علاقات متينة مع العواصم الإقليمية والدولية.

وفي الشأن المحلي، يعبر موقف الحكومة الاتحادية عن دلالة استراتيجية ذات أهمية قصوى. فإدانة الحكومة الفيدرالية، وقرار تنظيم مجموعة أمنية مشتركة، يمثل استيعابًا وإحاطة متنامية بأن أمن إقليم كوردستان عنصر أساسي لا غنى عنه بصدد الأمن الوطني العراقي. وفي بلد عانى الكثير من الفوضى، فإن هذا التعاون يأتي في زمن غاية في الحراجة ، وفي الوقت نفسة يبعث برسالة تؤكد على أن العقبات والمعرقلات العالية المخاطر تعيد تفسير الأولويات.

كما جاء الموقف التركي ليشير إلى أن استقرار إقليم كوردستان يشكل عنصرًا أساسيًا في توازنات منطقة الشرق الأوسط. أما في الشأن الدولي، فإن الموقف الأوروبي والفرنسي يعبر عن قناعة متصاعدة بأن الإقليم يعد شريكاً عالي الموثوقية وآمن في معادلة الاستقرار، وأن القيادة في إقليم كوردستان العراق تتمتع بثقة تتجاوز الاعتبارات التقليدية.

فما حدث في محافظة دهوك لم ينل من الإقليم، بقدر ما كشف عن وزنه الحقيقي، وأن الاستقرار الأمني والسياسي أصبح قويًا صلبًا بإرادة داخلية ودعم دولي متعاظم.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *