ليس اعتباطاً أن تكون الأرض كروية؛ وربما صارت كذلك لشغف البشرية بلعبة كرة القدم؛ ولا أدري إنْ كانت هناك دولٌ عربيةٌ غير وطني العراق من تُطلق على كرة القدم تسمية «طوبه»، وبالعودة إلى معجم المعاني وجدت أنَّ معنى طوبة هو اللبنة المحروقة، ولها معنىً آخر هو خامس الشهور القبطية، ومن اشتقاقاتها مفردة طوباوي التي تعني الكائن الذي يحلّق بأفكاره بعيداً عن الواقع، ويبدو أنَّ سحر الكرة المستديرة ستجعلنا طوباويين حقاً، ونحنُ نترقَّبُ بمتعة وشوق مبارياتها التي ستجُرى في شهر حزيران على ملاعب المكسيك وكندا وأمريكا التي لعبت بالعالم طوبه؟! حيث الصراع الملتهب بين ثمانية وأربعين منتخباً تتنافس للظفر بكأس العالم المصنوع من الذهب الخالص والذي يُسمّى كأس جول ريمه وهو صاحب فكرة مسابقة كأس العالم عندما كان يشغل رئاسة اتحاد كرة القدم الفرنسي بين عامي 1919 و1945، ورئيس الفيفا بين عام 1921 و1954، والعبرة ليست بحصاد الذهب، فلو كان الأمر يتعلق بهذا المعدن الثمين سنجد أنَّ الدول النفطية بوسعها صناعة كأس عملاقة من الذهب، غير أنَّ الفوز الحقيقي هو معنوياً حين ترنو أنظار العالم إلى منتخب الحظ السعيد الذي يظفر بالكأس في نهاية المطاف. ولمباريات كأس العالم مواقف وأحداث تراجكوميدية لا يمكن أنْ تُبلى من الذاكرة، حيث كانت بداية متابعتي لتلك المباريات عام 1978، وصادفت في وقتها الامتحانات الوزارية لما كنت طالبا في السادس الإعدادي، وكان البث الملون حديثاً على شاشة التلفاز العراقية، مثلما كان النقل عبر الأقمار الصناعية يحدث لأول مرة خلال ذلك العام، وكان الفريق العربي الوحيد الذي نتابعه بشغف في تلك البطولة هو المنتخب التونسي، خاصة كرة تميم حازمي التي ارتدت من عارضة المنتخب الألماني، في تلك البطولة حقَّقَ الفريق التونسي أول فوز عربي بكأس العالم على فريق المكسيك وبفوز عريض كان بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وكنت قد أهملتُ مطالعة دروسي لأفضِّلُ عليها متابعة مباريات البطولة، لكنَّ المفاجأة أنَّ نتيجة الامتحان جاءت باهرة لأنال معدَّلاً تجاوز الخمسة والسبعين بالمئة وسط ذهولي ودهشة العائلة، وعندما جاءت بطولة 1982 كان وطني قد دخل بحرب ضروس مع الجارة إيران، وقد حقَّقتْ الشقيقة الجزائر نتائج لافتة بتلك البطولة العالمية، لولا المؤامرة الخبيثة بين ألمانيا والنمسا التي ابعدت الجزائر من الصعود إلى الدور الثاني، وفي عام 1986 كان العرس العراقي حاضراً في مونديال المكسيك، مع أغنية المطربة الراحلة ربيعة التي حفظها كل بيت عراقي «منتخبنه اسم الله عليه حضرناله شموع وكيك». ولأني كنت سائق دبابة في جبهات القتال؛ قرَّرت الفرار من كتيبة دبابات إشبيلية لمتابعة مباراة منتخب العراق التي انتهت بثلاث خسائر متتالية مع منتخبات بارغواي وبلجيكا والمكسيك مضيفة البطولة، وخرجنا من بطولة كأس العالم بهدف يتيم سجله اللاعب الساحر أحمد راضي بمرمى حارس مرمى بلجيكا التي احتلت المركز الرابع، وهو الهدف العراقي الوحيد في خزانة اتحاد كرة القدم العراقي، ولما عدتُ إلى وحدتي العسكرية في الجبهة عوقبتُ بالسجن لمدة شهر مع حلاقة نمرة صفر. في الواقع أنَّ لهفتي لمتابعة مباريات كرة القدم لا تنافسها هواية أخرى سوى التسكع تحت نثيث المطر، وها نحنُ جميعاً نترقَّبُ المباراة الحاسمة بين منتخبنا ومنتخب بوليفيا فجر الأربعاء، وعيوننا تراقب بقلق رقّاص الساعة حد احتباس الأنفاس، ويحدونا الأمل مع الدعوات لرؤية العراق الحبيب متأهلاً إلى كأس العالم ويكون المنتخب العربي الثامن؛ وليلعب في المجموعة التي تضم فرنسا والسنيغال والنرويج. فلا غير كرة القدم من تجعل الناس في وطني على قلب واحد، وعسى أن نرى سماء بلادي بلا طائرات مسيَّرة ساعة المباراة المرتقبة. وتبقى بطولة كأس العالم فرصة رائعة إلى الإنسان المسالم للتمتع بأحداثها المثيرة التي لن تتكرر إلاَّ كل أربع سنوات. سأتابع المباراة الساعة الحادية عشر صباحاً هنا في أستراليا ولتذهب الأمراض المزمنة التي أشكو منها إلى الجحيم؛ وبمناسبة الحديث عن «الطوبة»، ثمة سؤال طوباوي بريء يلاحقني منذ أيام عن تلك الأرواح الطيبة التي رحلت إلى السماء من شهداء وضحايا أبرياء نتيجة القصف الغادر لثكناتهم العسكرية، إنْ كان بوسعهم مشاهدة مباراة المنتخب العراقي في أعالي السماء؛ فمن المؤكد كانوا يترقبون مثلنا هذه المباراة الحاسمة؛ وهل يا ترى أنَّ السماء الشاسعة خالية من ملاعب كرة القدم هناك؟ الواقع من المحزن أنَّ تكون الفراديس الساحرة بلا طوبة.
أواصل كتابة حلقاتي عن تطواف الغريب في الأسبوع القادم ويكون منتخب العراق قد حجز تذكرة العبور إلى أمريكا أم المشاكل.
