في نقاش بين زملاء عن الزواج، قال أحدهم بثقة: «المرأة في هذا الوقت لا تحترم الرجل». زميلة كانت موجودة لم تسكت، قالت له ببساطة: «للرجل احترامه وتقديره الثابت». انتهى النقاش، لكن الجملة بقيت تدور في الذهن.

حين يسمع الواحد كلاماً من هذا النوع، يتساءل: هل يتحدث هذا الشخص عن تجربته هو، أم أنه يعتقد فعلاً أن كل النساء على هذا الحال؟ في الغالب هو يتكلم عن شيء يؤلمه، لكن ألمه يخرج في صورة حكم على الجميع. التعميم في مثل هذه المواضيع نوع من الراحة المؤقتة، يريح الإنسان من عبء أن يفهم ما حدث معه تحديداً، ويضع المسؤولية على شيء أكبر منه وأوسع.

الاحترام داخل البيت شيء مختلف عن أي احترام آخر. لأنك مع شريك حياتك في كل شيء، في أوقات التعب والضغط والأيام التي لا يكون فيها أحد على أفضل ما يكون. هذا القرب يجعل الاحترام أصعب، لكنه يجعله أهم في الوقت نفسه. الإنسان قد يُمدح في عمله ويُقدَّر بين أصدقائه، لكن ما يحسه داخل بيته له وزن مختلف تماماً. لأن البيت هو المكان الذي يخلع فيه الإنسان كل أقنعته، ويظهر كما هو. وحين يُحترم في هذه الحال تحديداً، يشعر بشيء لا يشبهه أي تقدير آخر.

لكن في كثير من النقاشات يختلط الاحترام بالطاعة. بمجرد أن تعترض المرأة أو تقول رأيها، يفسر البعض هذا على أنها لا تحترم. وهذا فيه إشكال حقيقي. لأن الاحترام الذي ينكسر عند أول خلاف لم يكن احتراماً أصلاً، كان هدوءاً مؤقتاً يشبهه من الخارج. الاحترام الحقيقي هو الذي يبقى حتى حين يختلف الاثنان، حين ترفض المرأة رأيه لكنها ترفضه بطريقة تحفظ له كرامته. حين يختلفان لكن لا يخرج أحدهما من النقاش وهو مكسور. هذا الفرق الدقيق هو ما يغيب عن كثير من النقاشات، لأن الناس يربطون الاحترام بالنتيجة، هل وافقت أم لا، بدل أن يربطوه بالطريقة، كيف جرى الحديث وكيف خرج كل منهما منه.

الرجل حين يفتقد الاحترام في بيته، يحسه في أشياء بسيطة لا في أحداث كبيرة. في النبرة التي يُكلَّم بها يوماً بعد يوم. في الطريقة التي تُستقبل بها قراراته، سواء قُبلت أو رُفضت. فيما يُقال عنه أمام الأبناء في لحظة غضب. هذه التفاصيل لا يتحدث عنها أحد لأنها تبدو صغيرة، لكن أثرها يتراكم ببطء حتى يصبح الرجل يشعر أنه غريب في بيته، لا يُرى ولا يُسمع، وأن وجوده لا يضيف شيئاً. وحين يصل إلى هذا الشعور، لا يحتاج إلى سبب كبير لينسحب.

والعكس صحيح أيضاً. الرجل الذي يطلب الاحترام لكن لا يعطيه، لا يطلب احتراماً، يطلب امتيازاً. المرأة التي تشعر أن كلامها مسموع وكرامتها محفوظة، هي التي تعطي الاحترام بشكل طبيعي لا مجبورة عليه. الاحترام المبني على الخوف أو الضغط لا يدوم، لأنه لا يخرج من مكان حقيقي. أما حين يشعر كل طرف أنه مقدّر، يصبح الاحترام شيئاً يعطيه الاثنان دون أن يحسبا له حساباً

البيوت لا تنهار بسبب أحداث كبيرة في الغالب. تنهار بسبب أشياء تتراكم ببطء على مدى سنوات. الانهيار يبدأ حين يتحول سوء المعاملة من حادث عابر إلى أسلوب يومي لا يعتذر عنه أحد. الناس يتحملون الكثير، لكنهم لا يتحملون طويلاً الشعور بأنهم غير مرئيين لمن يعيشون معه كل يوم.

ما قالته الزميلة في تلك اللحظة كان في محله، لأنها أوقفت كلاماً كان يحول النقاش إلى ضحية وظالم. الرجل لا يستحق أن يُهان في بيته، لكن النساء أيضاً ليس من طبيعتهن قلة الاحترام. السؤال الأجدر بالتفكير ربما هو: لماذا يصعب علينا أن نحترم من هو قريب منا، أكثر مما نحترم من هو بعيد؟

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *