إن المتابع للتجربة الشعرية للشاعر جمال الموساوي، يلاحظ أن المجموعة الجديدة ” سنتذكر ونندم” (مقاربات، 2018)، تؤسس لتحول بارز في تجربته الشعرية. فإذا كانت سمة الغنائية هيمنت على المجموعات السابقة (كتاب الظل، مدين للصدفة، حدائق لم يشعلها أحد، ، أتعثر بالغيمة فتبكي)، فإن المجموعة الجديدة، تتميز بهيمنة ما أسميه التأمل الشعري:
أنا مجرد إنسان
أتأمل الوضع عن كثب.
إن القيمة المضافة لهذا الأسلوب الجديد في مسار تجربة الشاعر، تتمثل في أنه يؤسس على مستوى الخيال الشعري لتحول بنيوي من الهشاشة الغنائية إلى الهشاشة التأملية في ذاتها وفي العالم.
يتمحور العالم الشعري في “سنتذكر ونندم” حول ذات تطل على العالم من موقع الهشاشة التي تمزقها، بما هي حالة تعبر عن القلق والتصدع والشك:
هنا في بحيرة الشك النائم في خلاياي؛
ولست مهما حاولت
سوى فراشة
أفرد جناحين للهشاشة
ليست استعارة الفراشة في القصيدة سوى رمز للكائن الهش. إنها تجسيد رمزي لفكرة الهشاشة. إن هذا الاشتغال الرمزي على الأفكار هو ما يميز الخطاب الشعري عن الخطاب الفكري. إذا كان الخطاب الفكري يصوغ أفكاره في تصورات مجردة، فإن للخطاب الشعري منطقه الخاص الذي يتجاوز منطق البرهان، بحيث تصبح الحقائق المنطقية عرضة للخرق في النص الشعري:
ما المنطق في نهاية الأمر؟
للعقل منطق.
وللقلب آخر: الخطان المتوازيان يلتقيان.
لا محالة يلتقيان في الحلم.
إن منطق الشعر هو منطق الهشاشة التي تجد في الحلم عالما بديلا لعالم الواقع ، لأنه يتجاوزه ، بحثا عن عوالم ممكنة، تحرر الذات من عبء الواقع ، وتمنحها أفقا لحياة أفضل:
لذلك أفتح باب السجن
لفراشات أتخيلها،
وأمنية واحدة:
أن تحرس نبتة الحياة ما أمكن.
تتفتق شاعرية التأمل في النصوص من هذا الاشتباك بين كائن هش وبين عالم اختل توازنه، بحثا عن عالم أفضل:
هناك شرخ في هذا العالم
هناك هذا الأسف المهيمن.
هذا القرف من الوجه القديم.
يشتغل التأمل الشعري، إذن، كتوليف جدلي بين حدين متناقضين: الذات والعالم، هشاشة الذات وقسوة العالم. تناقض لا ينتهي إلى تسوية بين الذات والعالم:
لا هو ميت
ولاهو حي.
إنها وضعية الما بين، حيث يكون على الذات أن تعيش مع هذا التوتر، بدون توافق داخلي أو موضوعي مع العالم.
يتخذ التأمل الشعري في المجموعة ثلاثة أنماط. النمط الأول أسميه التأمل المتعالي؛ وهو الذي يكون موضوع تأمله الأفكار المجردة الكبرى مثل الحياة والموت والسعادة والألم والوجود؛ ويفصح فيه الشاعر عن “فكرته” بشكل معلن. ومثاله:
الفكرة الوحيدة التي تملأ الوجود
كل ما في الأمر يقول فيلسوف مفترض
أن الحياة ملهاة مسلية
ومأساة.
النمط الثاني أسميه تأمل الألفة، ويكون موضوع تأمله الأشياء المألوفة، وينطلق من تفاصيل الحياة اليومية:
أريد أن أزرع أرنبين
في حديقة البيت.
الحياة باختصار
لقاء اثنين لا حرب بينهما.
يجري هنا تأمل الحياة لا كتصور تجريدي، ولكن من خلال اختبار تفاصيل الحياة اليومية في البيت، في التجربة المشتركة لكائنين يقتسمان العيش في بيت مشترك.
النمط الثالث، أسميه التأمل المزجي؛ وهو الذي يمزج بين التأمل المتعالي وتأمل الألفة، بين الوجودي والواقعي:
كان لدي طائران في قفص،
الآن ماتا
ماتا منذ خمس سنين
في الحياة لذة قاسية حين تكون غامضة
نلاحظ في المقطع كيف يعمل التأمل المزجي، بوصفه توليفا مركبا بين حدين مختلفين؛ يبدأ من تأمل الأشياء الأليفة (الطائران)، ليتم في السطر الأخير، التعالي على هذا التفصيل الواقعي،عبر نوع من الانزياح من المألوف إلى المجرد، ينتهي باجتراح فكرة الحياة الكامنة وراء حدث موت الطائرين (الحياة لذة قاسية حين تكون غامضة).
ما يميز ، إذن، التأمل الشعري في مجموعة “سنتذكر ونندم” ، أنه يستدعي الفكر من موقع المخيلة الشعرية التي تبني مجازات وعوالم ممكنة، وليس من موقع الفكر الذي يبني حقائق استدلالية. ومن ثم لا يحضر الفكر في القصيدة منفصلا، في شكل تصورات مجردة، بل مجسدا في المجاز الشعري وفي التجربة الوجودية للذات (تجربة الهشاشة). وهذا الاشتغال الرمزي يفضي إلى تجسيم “الفكرة” . إن ما يحضر هو صورة الفكرة الدينامية، وليس تصورها المجرد.
لا يحضر الفكر في مجموعة “سنتذكر ونندم” في صيغة الحقائق ، بل في بوتقة منصهرة من الإلماعات التأملية الشعرية . إن الشاعر جمال الموساوي يتأمل العالم من حوله، بوصفه شاعرا متشككا، وليس من موقع العارف العقائدي:
وإن فكرتي مليئة بالشك،
وأن الفكرة المليئة بالشك هي المفتاح
إذا كانت المعرفة تحضر في الخطاب الفكري في شكل أفكار مجردة، بحكم أن المعرفة العلمية تتأسس على الانفصال بين الذات والموضوع، فإن التأمل الشعري في “سنتذكر ونندم”، يستدعي الأشياء في صيغة من “الحميمية الجوهرية” بين الذات والأشياء، بين اللغة والجسد:
يقول الشاعر
اللغة أنيني المنفعل
لا يتموضع العالم في النص الشعري في انفصال عن الذات، إنه لا يحضر ككيان منفصل في مقابل كيان آخر منفصل هو الذات، بل يحضران معا مشتبكين في علاقة توتر، ذلك أن الذات تختبر العالم بوصفه محنة؛ وهذا سبب هشاشتها. وبالتالي، لغة التأمل في مجموعة “سنتذكر ونندم” ليست لغة محايدة. إنها لغة الهشاشة التأملية؛ لغة مسكونة بالتصدعات والشكوك، وفي محاولتها للخلاص ، تبني عالما ممكنا من المجازات والأحلام.
هكذا ، نخلص إلى أن ما يحكم بنية التأمل الشعري في هذه المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر جمال الموساوي هو البويطيقا ، بما هي حالة أدبية واستشراف لعالم ممكن، وليست الميتافيزيقا بما هي تأمل مجرد في الوجود الإنساني.
