لربما تعتبر سرقة القرن من أكثر الأحداث خطورة في عالم السياسة والاقتصاد، والتي باختصار هي أن مجموعة من اللصوص المتنفذين والمدعومين من لصوص أكبر وأكثر نفوذاً، اكتشفوا أن هناك مبالغ كبيرة مودعة لدى دائرة الضرائب كأمانات أودعتها شركات ومؤسسات أجنبية لضمان تنفيذ المشاريع التي يحصلون عليها داخل العراق، ثم قام اللصوص بسحب هذه المبالغ على شكل دفعات بالتواطؤ مع جهات حكومية، وتم إيداع السرقات بحسابات سياسيين ومتنفذين كبار، لكن مقصد حديثي هنا ليس عن تفاصيل هذه السرقة وهذه الصفقة بل عن الإعلام الذي تماوج معها دون أن يفعل أي شيئ يذكر حيال هذه السرقة التاريخية مثله كمثل الحكومة التي بدأت بوضع القضية على فراش النوم العميق.
فإعلامنا ومن منطلق تغطيته السطيحة على مثل هكذا سرقة تاريخية نراه محشواً بصراع وهمي ومفردات سياسية بين هذا وذاك حتى نسينا الفاعل الحقيقي وصرنا نتراكض خلف أوهام على رأسها حبة مخدر عام تسمى “استعادة جزء من أموال سرقة القرن” لكن الجزء تبين أنه لا يشكل سوى أقل من 2% من مجمل السرقات، لنكون هنا أمام تواطئ إعلامي سياسي للتستر على تاريخ تهريب الفاسدين الكبار والتستر عليهم الذي يساهم فيه متنفذون من الأحزاب السياسية.
وإذا ما وضعنا هذا الحدث وجهاً لوجه أمام شفافية الإعلام سنرى أن إعلامنا محرج جداً أمام تغطيته للفساد من خلال وضع غطاء كبير على تفاصيل الأحداث والأسماء التي تشارك بسرقة البلاد والعباد، فكل الدلائل تقول إن المتورطين والمستفيدين من هذه السرقة، وغيرها كثير، سياسين كبار لا يؤثرون على القرارات الإعلامية فحسب بل وعلى الحكومة ككل، حتى وصل الحال بالإعلام أنه إن حضر فلا يُعد ولا يُحسب له أي حساب، وإن غاب فلم يعد يفتقد لأن تأثيره على أرض الواقع أقرب إلى نقطة الصفر، ما نريده اليوم من إعلامنا لا أن ينقل لنا أخباراً نعرفها، نريده أن يعري الفاسد ويظهره للعلن، نريده أن يستقصي عن كل صغيرة وكبيرة وأن يتجرأ على ذكر أسماء المتورطين، إعلامنا يا سادة بحاجة لأن يكون أكثر صلابة وأكثر صراحة لا أن يتذبذب خلف شخصيات سياسية تدير مؤسسات إعلامية، ليتحرك بالحدث حسب وجهة نظر الفاسد الذي يغذيه.
فنحن في دولة مثل العراق لا نملك أي مؤسسة إعلامية حقيقية، نحن أمام محلات تجارية تبيع المفردات بحسب أرباح صاحب رأس المال أو التاجر السياسي، والدليل على كل ما أقول يتلخص بأن حدث كبير مثل سرقة القرن بدأت تُنسى وتمحى بعد ما يقارب الشهر الواحد على حدوثها، ثم لتوضع في أرشيف الإعلام المنسي أرشيق يحوي ملايين صفقات الفساد والسرقة لكنه دون جدوى لأن حضوره أشبه بغيابه.
ويبقى أن أؤكد أن سرقة القرن ليست فقط صفقة فساد بل هي وصلت إلى درجة أن القضاء ليس هو من كشفها وإنما كُشفت بسبب تحولها إلى أداة لتصفية الحسابات إذ عادة ما نرى أن الفاسدين والأقوياء ينجحون باستخدام سلطتهم لاستهداف الفئات الأضعف، وعادة ما يتم استهدافهم بكشف صفقات فسادهم الصغرى كأداة سياسية للتصفية.
ففي نظام يسوده الفساد وتطغى عليه المصالح الخاصة وينام فيه الإعلام، سيتعطل التحقيق في سرقة القرن وستُنسى القضية بهدوء، خاصة وأن الفاسدين في أزمات الفساد يتعاضدون ويتماسكون ويتحالفون ثم يرمون التهمة على أصغر أصغر موظف، وبعد ذلك يوقظون الإعلام من نومه وسباته فيتغنى بانتصارات القضاء على الفساد من أصغر أصغر أبوابه منتظراً من الشعوب أن تصفق لإنجازات من إن حضر وإن غاب فالأمر سيان.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *