باليتامى والأرامل، في أكواخهم، بلا أدنى متطلبات الحياة الكريمة، رحمَ الله بشراً دُعِيَ إلى تولِّي مسؤولية، فقال لا أطيق، ورَحِمَ الله بشراً أخطأ فقال أخطأت، ورحم الله أبا ذر قال، قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها. يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأمَّرنّ على اثنين، ولا تَولَّينَّ مال يتيم.
عِبر التاريخ، ارتبطَ الفقر والجوع والخراب وانتشار الجريمة وسقوط الحضارات، بالبخل والجشع وشهادة الزور والفساد، والأحزاب الإسلامية تحكم باسم الله، والتقوى ظاهرة على رؤساء الأحزاب ويرفضون الخمر والفجور، ولكن ولا لمرةٍ واحدة تحدثوا عن آلام اليتامى والأرامل! ولا يذكرون قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) البقرة 220. ولا قوله تعالى (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيراً) النساء: 2. ولا قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) النساء: 10. وقوله تعالى (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الإسراء: 34 والمال العام ومبيعات النفط وواردات الضرائب هي مال اليتامى ليضمنَ لهم حياةً كريمة! ويقول تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) لا تُسِيء معاملته، لا تحرمه حَقَّهُ، ولا يضق صدرك عليه، ولا مالك، أتُحِبُّ لابنك أنْ يبيعَ المناديل الورقية في إشارات المرور؟ (كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم) الفجر: 17.
نصوص صريحة
لماذا لا يوجد في الغرب، كل الغرب يتيمٌ واحدٌ مهان؟ لماذا دور اليتامى في الغرب كفندق شيراتون؟ ليس لديهم في دينهم نصوص صريحة وقوية وكثيرة كالتي عندنا، ليس لديهم غير إشعياء 10:2) الويل للذين يسنون قوانين غير عادلة، ويصدرون أوامر ظالمة. ليحرموا المساكين من حقوقهم، ويمنعوا العدل عن المظلومين من شعبي، ليفترسوا الأرامل، وينهبوا الأيتام).
لماذا لا توجد هيأة لرعاية شؤون اليتامى، بدلاً من هيأة المساءلة والعدالة وهيأة الحج والعمرة وعشرات الهيآت الأخرى؟ لماذا لا تفرض على كلِّ موظف ضريبة اليتيم ولو ألف دينار، ولدينا سبعة مليون موظف ومتقاعد، وبالتالي سبعة مليار دينار شهريَّاً؟ أو نسبة من معاشات المسؤولين ولو واحد بالمئة؟
كان صعاليك العرب يسرقون القوافل والأغنياء، ويغيرون على القرى ويهربون ولكنهم كان أسخياء كرماء، ويقول أميرهم عروة بن الورد (أُقَسِّمُ جسمي في جُسومٍ كثيرةٍ، وأَحْسُو قَرَاحَ الماءِ، والماءُ باردُ) والجسم لا يُقَسَّم، بل طعامه الذي يجود به على غيره وهو في أمسِّ الحاجة إليه، والماء بارد، الشتاء في جزيرة العرب، يعني الجوع والشدة والفاقة وقلة الطعام.
وكان السُّلَيْك بن السُّلَكَة السَّعْدي وهو من أبطال العرب القاتل الشرس الأسرع في عدوه وركضه فلا تلحقه الخيل، وكان من جميل دعائه: “اللهم أعوذُ بكَ من الخيبة، أما الهيبة، فلا هيبة” فلا يهاب الموت ولا يهاب الفقر كما تهابونه أنتم يا لصوص المال العام. وكان السُّلَيْك نائماً إذْ جَثَم رجُلٌ على صَدْره، ثم قال له: استأسِر، فقال له سليك: الليلُ طويل وأنت مقمر.
يقصد أنك تجد غيري فَتَعَدّني، وتجاوزني، فأبى الأحمق القصير، فلما رأى سُلَيك ذلك الْتَوَى عليه وتسنَّمه وأسره. يضرب المثل للأحمق الذي يظنُّ الناس واليتامى فرائس والمال العام كعكة مُتاحة!
