ربَّما لا يوجد شاعرٌ في العصر الحديث رثى نفسَهُ من خلال رثائِهِ أصدقاءَهُ مثل محمود درويش. كان دائماً يتطلَّعُ إلى جنازتِهِ من وراء جنازات أصدقائِهِ “الخَوَنة”، كما يسمِّيهم. وحين يخاطبُهم هاتفاً بهم: “أصدقائي، لا تموتوا مثلما كُنْتُم تموتونَ رجاءً، لا تموتوا”، فقد كان يتمنَّى سرّاً ألّا يموتَ هو على طريقتِهم. لهذا يصحُّ أن نصفَ شعره كلَّه بأنَّه “شعر مكافحة الموت”، بالرَّغم من أنَّ محمود درويش كان يكتب الشِّعر ليموتَ، كما يقول: “وأنا أكتبُ شعراً، أي أموت”. فعلُ كتابة القصيدة عند درويش هو فعلُ الموتِ وفعلُ مقاومةِ الموت في الوقتِ نفسِهِ. من هنا كان يتسرَّبُ ضمناً في شعر درويش تبادل أدوار خفيٌّ يتحوَّل فيه الراثي إلى مرثيٍّ، والمرثيُّ إلى راثٍ. ولكي نستكشفَ هذا الموت المتبادل، دعونا نأخذ المقطع التالي من قصيدة “اللِّقاء الأخير في روما”:

صباحَ الخيرِ يا ماجدْ
صباحَ الخيرِ والأبيضْ
قُمِ اشربْ قهوتي، وانهضْ
فإنَّ جَنازتي وصلَتْ
وروما كالمسدَّسِ-
كلُّ أرضِ اللهِ روما…

تحمل القصيدة عنواناً فرعيّاً هو “مرثيَّة لماجد أبو شرار”، ولذلك فإنَّ قراءتنا إيّاها، مرثيَّةً، تغتني باسترجاع كامل الموروث الرِّثائيِّ في الشِّعر العربيِّ من أبيات عبدة بن الطَّبيب في رثاء قيس بن عاصم حتّى الوقت الحاضر. ومن الطَّبيعيِّ أن يخاطب الشاعر مَن يرثيه، ففي أبيات عبدة بن الطَّبيب يقول:

عَلَيكَ سلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصمٍ
ورحمتُهُ ما شاءَ أنْ يَتَرحَّما
تحيَّةَ مَنْ ألبستَهُ منكَ نِعْمةً
إذا مرَّ عن قربٍ بقبركَ سَلَّما
فَما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ
ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما

غير أنَّ اتِّجاه هذا الخطاب إلى ميِّت، في الموروث الرِّثائيِّ العربيِّ، يفترض أنَّ الميِّت حيٌّ قادرٌ على استماع الخطاب والرَّدِّ على السَّلام. وتحيَّة محمود درويش “صباح الخيرِ يا ماجدْ” لا تختلف في جوهرها عن تحيَّة عبدة بن الطَّبيب “عليكَ سلامُ اللهِ قيس بن عاصم”. ولكنْ في حين يفترض عبدة بن الطَّبيب حياة قيس بن عاصم ميِّتاً، يفترض محمود درويش حياة ماجد حيّاً. ولذلك فهو يدعوه إلى فعلِ حياةٍ يوميٍّ هو شرب القهوة الصَّباحيَّة، والتَّهيُّؤ لوصول جنازة الشاعر. ولكنْ كيف تصل جنازة الشاعر؟ لقد أحيا الشاعرُ جنازةَ المرثيِّ ليفترضَ بالمقابل وصول جنازة الراثي. هنا نرى تبادل أدوارٍ مثيراً. المرثيُّ حيٌّ، والراثي ميِّتٌ، لأنَّ وصول جنازة الشاعر يعني كونَهُ ميِّتاً أيضاً. فكيف يرثي الميِّتُ الحيَّ؟ لا خيارَ لنا إلّا أن نتصوَّرَ أنَّ ماجداً هو الذي يرثي محمود درويش، وليس العكس. ولأنَّه حيٌّ، فإنَّ تحيَّتَهُ تؤكِّد على الأبيض الذي يرمز إلى شيئين في وقتٍ واحدٍ. فهو لون الحياة، في مقابل لون الحداد (الأسود) من جهةٍ، وهو مكانٌ إطاريٌّ للفعل المحاصر في مناخ البحر الأبيض المتوسِّط من جهةٍ أخرى. ولأنَّ المرثيَّ حيٌّ، فإنَّ الأفعال التي يقوم بها أفعال في صيغة المستقبل الذي لم يحصلْ بعد (فعلا الأمر: اشربْ وانهضْ، وهذا الأخير يشكل قافية مع: أبيض)، بينما لا يوجد سوى فعلٍ ماضٍ واحد للشاعر (إنَّ جنازتي وصلَتْ). ولقد سبق للشاعر أن أورد هذه العبارة بتمامِها في قصيدة “عودة الأسير”:

ليَسْكتْ ها هنا الشُّعَراءُ والخُطَباءُ
والشُّرطيُّ والصَّحفيُّ
إنَّ جَنازتي وصلَتْ

كيف يمكن لميِّت أن يكلِّمَ الآخرين، ويخبرَهم بوصول جنازتِهِ، إذا لم يكنْ حيّاً، أي إذا لم يكنْ موتُهُ نفسه حياةً أخرى له. في قصيدة “نشيد إلى الأخضر” يكتب محمود درويش:
وَأَنا أكتبُ شِعْراً، أي أَموت
فعل كتابة القصيدة، أو الرِّثاء تحديداً، هو إذن علامة موت الراثي لا المرثيِّ. وبما أنَّ المرثيَّ حيٌّ، والراثيَ ميِّت، شعريّاً، فإنَّ القصيدة لا يكتبُها الراثي بل المرثيُّ. ولهذا تتَّجه أفعال المرثيِّ إلى المستقبل، وأفعال الراثي إلى الماضي. الشاعر يرثي الفقيد بشعرِهِ، والفقيد يرثي الشاعر بموتِهِ. وكلاهما حيٌّ/ميِّت أو ميِّت/ حيٌّ.
لكنَّ موت ماجد حدثٌ فعليٌّ حصلَ في روما. وسيادة الوظيفة الشِّعريَّة على الوظيفة المرجعيَّة لا يطمس الإحالة، بل يجعلُها غامضةً. ولذلك تبدو روما للشاعر بصورة مسدَّس مسدَّد إليه. وما يحصل للشاعر والفقيد يحصل لروما أيضاً، فهي الأخرى ترتفع من وجودها الفعليِّ في صيغة التَّشبيه المحدَّد بمكانٍ فعليٍّ على الخارطة (روما كالمسدَّس) إلى تجريدٍ مكانيٍّ يُعانق الأمكنة كلَّها ويتماثل معها (كلُّ أرضِ اللهِ روما). وإذ كان المبتدأ في هذه العبارة أليفاً باعتبار وقعِهِ اللُّغويِّ الدِّينيِّ القريب: “كلُّ أرضِ الله”، فإنَّ الخبر يتناقضُ معه: “روما”، إذ كيف يمكن أن يتماثل جزءٌ من الأرض مع الأرض كلِّها؟
في الواقع إنَّ التَّماهي بين (روما) وكلِّ أرضِ اللهِ جزءٌ من التَّقاليد الشِّعريَّة القديمة.

ونجد هذا التَّماهي في مسرحيَّة لكورنيه، حيث يقول “سرتوديوس” القائد الرُّومانيُّ الذي انشقَّ على قيصر وأسَّسَ جمهوريَّةً في أسبانيا:

لم أَعُدْ أُسمِّي روما أرضاً تحوطُها الأسوار
فهذه الأسوارُ التي كانتْ أبدعَ ما تكونُ في الماضي
لم تَعُدْ سوى السِّجنِ أو بالأحرى القبر
ولمّا كنتُ أملكُ الآن كلَّ دعائمِها الحقيقيَّة،
فإنَّ روما لم تعُدْ في روما، إنَّما تكون كلُّها حيثما أكونُ.

وقد استثمر هذه الأبيات المفكِّرُ المسرحيُّ الفرنسيُّ جبريل مارسيل في مسرحيَّته (روما لم تَعُدْ في روما). والجدير بالذِّكر أنَّ محمود درويش لم ينشرْ في مجموعته (حصار لمدائح البحر) بيتاً كان قد نشره قبل ذلك في القصيدة يقول فيه (روما لم تعد روما).
والآن بعد أن وصلَتْ جنازة الشاعر الفعليَّة، هل ما زال بوسع محمود درويش أن يقوم بدوره راثياً أصدقاءَهُ “الخونة” مرَّةً أخرى؟ هل يستطيع أن يستبقَ موتَهُ دفاعاً عن الحياة؟ لم يمت محمود درويش الشاعر:، بل مات “النَّجم” محمود درويش. وحياة الشاعر تبدأ مع أفول “النَّجم”. ربَّما كانت جنازة “النَّجم” محمود درويش إيذاناً بسطوع “الشاعر” محمود درويش.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *