– في إحدى عصريات شتاء العام 1980 وخلال تجوالي (أنا د. هادي حسن عليوي) في ساحة بياتزا نافونا.. وسط مدينة روما.

– وهي من أهم الساحات التي تقام فيها المهرجانات والاحتفالات.. وملتقى الفنانين والرسامين الإيطاليين والأجانب.. ولعرض لوحاتهم وبيعها أيضاً.

– كما يتجمع – في هذه الساحة – الشباب والسائحون من كل صوب.

– شاهدتُ شخصاً ضعيفاً ملابسه خفيفة.. ويرتجف من شدة البرد.. جالساً القرفصاء.. وأمامه لوحاته التي تعكس رسمه الفاشل.

– ألمني وضعهُ وأردتُ مساعدتهُ.. فسألتهُ عن سعر لوحاته.. أجابني (بما تجودُ به يدكً).

– وبعد حديث معه عرفتُ انه عراقي.. وفشل في دراسة الفن أربع سنوات متتالية فطردته الجامعة في روما.

– وبنهاية الحديث طلبً مني شراء لوحة بعشرة دولارات.. أخذتُ واحدة وأعطيتهُ خمسين دولاراً بدل العشرة.

– شكرني كثيراً حتى انه انحنى ليً احتراماً.. وبقيتُ في كل مرة أزورُ بها المنطقة أساعدهُ ببعض الدولارات.

– في إحدى زياراتي للمنطقة ومعي مدير مكتبي فارس.. لم أجد هذا الشخص الذي عرفتُ اسمه (عادل ………. ).. فقال فارس: (دكتور انه مريض بالسكري.. وقد يبقى طريحَ الفراش عدة أيام لعدم قدرته شراء إبرة أنسولين !!).

– طلبتُ من فارس إيصالنا إلى سكنه.. وفعلاً عرفنا المكان في ضواحي روما.. حيث يسكن في غرفة.. لا يمكن أن أسميها سوى زريبة.

– وجدتهُ في أسوء حال.. وعلى الفور نقلتهُ إلى إحدى المستشفيات وعولجً على حسابي الخاص.. وأعدتهُ إلى سكنه.. ومنحتهُ 100 دولار.

– بعد مدة قصيرة عينتهُ في السفارة براتب جيد كموظف محلي.

– وبعد ستة أشهر على عمله جاءني ترافقه فتاة جزائرية يأمل الزواج منها.. وطلبً مساعدتي.. فأعطيتهُ هدية نقدية.. واشتريتُ لهما بدلني عرس وتوابعهما على حسابي الخاص.

– ورغبت زوجته الزواج في بيت أهلها بالجزائر.. مادام لا يريد الذهاب إلى بغداد (خوفا من أن يأخذوه بالجيش الشعبي).

– المهم تبرعتُ لهما أيضاً بتذكرتي السفر.. وقدمت زوجتي للعروس 200 دولار هدية الزواج.

– وبعد عودته من شهر العسل كلفته بعمل إضافي مقابل مخصصات جيدة لتحسين أحواله.

– وتمر الأيام وأوضاع عادل وزوجته تحسنت.. وكان دائماً يردد أمامي عبارته: (دكتور: كيف أستطيع أن أردً فضلك عليَ؟).. كنتُ أبتسم في وجهه.. وأقولُ له (الله كريم).

– وفي أحد الأيام طلبت وزارتي حضوري إلى بغداد لأمرٍ هام.. وفي بغداد جرى استدعائي إلى جهاز المخابرات.

– وبدأ التحقيق معي عن أمور كان أخطرها إنني في اجتماعي الأخير مع الموظفين: كررتُ اسم (صدام) ثلاث مرات مجرداً من عبارات الاحترام والتبجيل.. كما ورد في التحقيق.

– كانت والدتي رحمها الله تكرر دائماً: (إنني لن أصابُ بضرر أبداً.. ما دمتُ لا أظلم أحداً.. وأعملُ الخير للآخرين وأساعدُ من يحتاج المساعدة).. وفعلاً كان الله معي في تلك المحنة.. ففي اليوم الثالث أطلقوا سراحي.

– المهم عدتُ الى عملي في روما.. وتأكد ليً إن عادل……… هو الذي قدم التقرير للمخابرات الذي اعتمدته في التحقيق معي.

– لم أقم بأي عمل ضد عادل.. وكان بمقدوري أن افصله فوراً.. فقط توقفتُ عن مساعدته تماماً.

– بعد مدة نقلتُ إلى بغداد.. المضحك أن بديلي الذي استلم موقعي فصلً عادل من السفارة فورَ مباشرته العمل.

– وتمر السنين ولم أشاهد عادل فهو في روما وأنا في بغداد.. وفي شتاء العام 2009 وأنا أزورُ معرضاً فنياً في إحدى قاعات العرض الفنية ببغداد.. وجدتُ نفسي أمام عادل وزوجته.. سلما عليً.. فسألتهما عن أحوالهما.

– قال عادل متباهياً: (إنني ألان رئيساً لإحدى الجمعيات الفنية في بغداد.. وهي جمعية نشطة.. وراعية للفن في العراق) على حد قوله.

– نظرتُ إليه بهدوء.. وقلتُ له: (وهل تركتً كتابة التقارير الملفقة على من أحسنوا عليك !!).. أصفرً وجههُ.. وظل صامتاً وخائفاً جداً.

– فيما التفتُ (أنا) على زوجته ونظرتُ بإمعان في وجهها.. فشعرتُ إنها كانت تعرف بأفعاله.

– فرددتُ بصوت مسموع.. الآية الكريمة: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) صدق الله العظيم.

=============

ـ الصورة الاولى : أنا وزوجتى ذات الرداء الابيض1 في روما شتاء العام 1980.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *