الشيخ علي جواد الكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
من الأصول العقائديّة الراسخة التي دلّ عليها العقل والنقل، وأطبقت عليها فطرة الإنسان السليمة، أصل توحيد الله تعالى في الخالقيّة والإيجاد؛ فإنّ المسلم، بل كلّ موحّدٍ مستكملٍ لمقتضيات الفطرة والعقل، يجد في أعماق وجدانه أنّ لهذا العالم خالقاً أوجده وأفاض عليه الوجود، وأنّ هذا الخالق واحدٌ لا شريك له في أصل الإيجاد والتأثير الاستقلالي.
وقد أقام علماء الكلام والفلسفة على أصل وجود الخالق تعالى براهين متعدّدة، كبرهان النظم، وبرهان الإمكان والوجوب، وبرهان الحدوث، مع إبطال الدور والتسلسل، وغير ذلك من المناهج البرهانيّة التي تكشف عن افتقار الممكنات إلى مبدأ واجب الوجود.
وأمّا توحيد الخالقيّة، فمن البراهين العقليّة التي استُدلّ بها عليه برهان التمانع، وقد أشار القرآن الكريم إلى مضمونه بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة المؤمنون: 14].
وتقريب البرهان: أنّه لو فُرض تعدّد الآلهة المستقلّة في التدبير والتأثير، لزم من ذلك إمّا إمكان اجتماع إرادتين متضادّتين، وهو محال، أو عجزهما معاً عن إنفاذ الإرادة، أو نفوذ إرادة أحدهما دون الآخر، فيثبت عجز من لم تنفذ إرادته، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً واجب الطاعة والتدبير.
فانتظام العالم ووحدة نظامه، وعدم ظهور التمانع والاضطراب في تدبيره، شاهدٌ على وحدة المدبّر المستقلّ، وأنّه ليس في الوجود خالقٌ مستقلٌّ عن الله تعالى.
وقد صرّح القرآن الكريم بهذا الأصل في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [سورة الأنبياء: 22].
غير أنّ المتأمّل في بعض آيات الكتاب العزيز قد يجد ـ بادئ النظر ـ ما يوهم خلاف ذلك؛ فقد وصف الله تعالى نفسه بأنّه أحسن الخالقين، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: 14].
وقال تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة الصافات: 125].
فظاهر التعبير بـ«أحسن الخالقين» قد يوهم وجود خالقين آخرين، الأمر الذي يثير سؤالاً كلاميّاً مهمّاً: كيف يُجمع بين توحيد الله تعالى في الخالقيّة وبين نسبة الخلق إلى غيره في الكتاب والسنّة؟ والجواب عن ذلك يتمّ من خلال عدّة جهات:
الجهة الأولى: تعدّد معاني الخلق:
لا بدّ أوّلاً من تحرير مفهوم الخلق؛ فإنّ لفظ «الخلق» ليس موضوعاً لمعنى واحد لا يتعدّاه، بل يستعمل في اللغة والكتاب والسنّة في معانٍ متعدّدة، ومن أهمّها: الإيجاد من العدم، والتقدير، والتغيير والتحويل، والصنع والتشكيل.
وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، في بيان وجوه الخلق، أنّه على وجوه، منها خلق الاختراع، وخلق الاستحالة، وخلق التقدير، واستُشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾، وقوله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ (1). كما ورد في رواية أخرى إضافة خلق التغيير، والاستشهاد بقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (2).
وعلى هذا الأساس، فإنّ الخلق قد يراد به الإيجاد الابتدائي من العدم، وقد يراد به التقدير والتشكيل والتحويل من صورة إلى صورة.
وهذا التفصيل هو المفتاح الأساس لحلّ الإشكال؛ لأنّ الخالقيّة التي يثبتها العقل والشرع لله تعالى على نحو الاستقلال، إنّما هي الخالقيّة المطلقة المستقلّة، ولا سيّما الإيجاد من العدم، بحيث لا يستند وجود الشيء إلى موجود آخر قبله، ولا يكون في مقام التأثير محتاجاً إلى غيره.
وهذا المعنى تؤكّده الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، ومنها ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَدِيماً، خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ» (3).
فالمقصود من اختصاص الله تعالى بالخالقيّة بهذا المعنى أنّه سبحانه الموجد الحقيقي المستقلّ، الذي لا يتوقّف إيجاده على مادة سابقة ولا على علّة موجدة قبله.
وأمّا إطلاق «الخالق» على غيره، فيمكن أن يكون بلحاظ معنى آخر، كالتقدير والتشكيل والصنع، من دون أن يستلزم ذلك إثبات شريك لله تعالى في الخالقيّة المطلقة.
ومن أوضح الشواهد على ذلك قوله تعالى في عيسى عليه السلام: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49].
فقد أسند القرآن الكريم الخلق إلى عيسى عليه السلام، ومع ذلك لم يكن في ذلك أيّ منافاة لتوحيد الله تعالى في الخالقيّة؛ لأنّ عيسى عليه السلام لم يدّعِ الاستقلال في الخلق، بل قيّد القرآن الكريم فعله بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فهو خالق بمعنى المقدّر والمشكّل بإذن الله، لا بمعنى الموجد المستقلّ من العدم. وعليه، يكون قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ جارياً على هذا الاستعمال؛ أي إنّ الله تعالى أحسن المقدّرين والصانعين والمبدعين، مع بقاء الخالقيّة المطلقة المستقلّة مختصّة به سبحانه.
ومن هنا يتّضح أنّ النسبة بين الخالقين ليست على رتبة واحدة؛ فإنّ خالقيّة الله تعالى ذاتيّة مستقلّة مطلقة، بينما خالقيّة غيره ـ على فرض إطلاق الخلق عليه ـ تبعيّة، محدودة، مستندة إلى القدرة والإذن والإفاضة الإلهيّة.
الجهة الثانية: الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي:
يمكن دفع الإشكال أيضاً من جهة أخرى، وهي التمييز بين الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي. فقد يسند الفعل إلى غير فاعله الحقيقي، لوجود علاقة معتبرة وقرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي، وهذا ما يعبّر عنه علماء البلاغة والأصول بـ المجاز في الإسناد أو المجاز العقلي. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [سورة يوسف: 82]. فلا يُراد من «اسأل القرية» سؤال الجدران والأبنية، بل سؤال أهل القرية؛ لأنّ العقل والقرينة الحاليّة يمنعان من إرادة المعنى الظاهري الحرفي.
ومثله في المقام: لو أُطلق الخلق على غير الله تعالى وأريد به الإيجاد، فلا يلزم من ذلك إثبات خالقيّة استقلاليّة لذلك الغير، بل قد يكون الإسناد إليه باعتبار مباشرته للفعل أو ظهوره على يده، مع كون التأثير الحقيقي المستقلّ لله سبحانه.
وهذا المعنى ظاهر بصورة جليّة في الآية المتقدّمة بشأن عيسى عليه السلام: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ … فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فقيد «بإذن الله» قرينة صريحة على أنّ إسناد الخلق إلى عيسى عليه السلام لا يعني الاستقلال في التأثير، بل يعني أنّ فعله واقع في طول القدرة والإرادة والإذن الإلهي.
وهذا ينسجم مع القاعدة الكلاميّة المعروفة في أفعال العباد وسائر الموجودات، وهي أنّ الفعل قد يُنسب إلى العبد من جهة المباشرة، وإلى الله تعالى من جهة الإفاضة والإيجاد والإقدار؛ فلا تنافي بين النسبتين ما دام لكلّ منهما حيثيّة مغايرة.
ويؤيّد ذلك ما ورد في الروايات من نسبة بعض الأفعال إلى الملائكة مع كونها واقعة بتفويض الله تعالى وإذنه، ومن ذلك ما ورد عن أبي جعفر عليه السلام في الرواية التي جاء فيها: «إِنَّ اللَّهَ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَخَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعَ أَرَضِينَ وَأَشْيَاءَ…» (4).
فإسناد الخلق إلى الملك لا يعني أنّه خالق مستقلّ في عرض الله تعالى، بل هو فعلٌ صدر منه في طول التفويض الإلهي، ومن ثمّ لا ينافي اختصاص الله تعالى بالخالقيّة والاستقلال في الإيجاد.
تنبيه مهم: ليس المراد إثبات خالقين مستقلّين:
ينبغي هنا التنبيه إلى أمر دقيق، وهو أنّ القول بتعدّد «الخالقين» في بعض الاستعمالات القرآنيّة لا يصحّ أن يُفهم منه تعدّد الخالقين على نحو الاستقلال وفي عرض خالقيّة الله تعالى؛ فإنّ هذا هو الذي ينفيه العقل والشرع، ويقوم عليه أصل التوحيد.
وإنّما التعدّد إنّما هو في مفهوم الخلق أو في جهة الإسناد.
فتارةً يكون الخلق بمعنى الإيجاد الابتدائي والاستقلال في التأثير، وهذا مختصّ بالله سبحانه.
وتارةً يكون بمعنى التقدير والتشكيل والتحويل، وهذا يمكن أن ينسب إلى غير الله تعالى.
وتارةً يكون الفعل منسوباً إلى غير الله باعتبار المباشرة، مع كون الله تعالى هو الموجد الحقيقي والفاعل المستقلّ.
وبذلك يرتفع الإيهام الذي قد ينشأ من الجمع بين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
فليس بين الآيتين تعارض؛ لأنّ الأولى ناظرة إلى الخالقيّة المطلقة المستقلّة، والثانية جارية في مقام بيان عظمة خلق الله وإبداعه بالنسبة إلى ما يصدر من غيره من تقدير وصنع وتشكيل، أو في مقام استعمال لفظ «الخلق» في معنى أوسع من الإيجاد الابتدائي.
يتحصّل من مجموع ما تقدّم أنّ نسبة الخلق إلى غير الله تعالى في بعض النصوص لا تستلزم تعدّد الخالقين بالمعنى العقائدي الذي ينافي التوحيد؛ وذلك من جهتين أساسيتين:
الأولى: أنّ لفظ «الخلق» ذو استعمالات متعدّدة، فقد يراد به الإيجاد من العدم، وقد يراد به التقدير والتشكيل والتحويل والصنع، وإطلاقه على غير الله تعالى بهذا المعنى لا ينافي اختصاص الله تعالى بالخالقيّة المطلقة والإيجاد المستقل.
الثانية: أنّ إسناد الخلق إلى غير الله تعالى قد يكون إسناداً مجازيّاً أو بلحاظ المباشرة والوساطة، لا بلحاظ الاستقلال في التأثير؛ كما في إسناد الخلق إلى عيسى عليه السلام مع تقييده بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وعليه، فإنّ قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لا يدلّ على وجود خالقين مستقلّين في عرض الله تعالى، ولا يناقض أصل التوحيد، بل هو من الآيات التي ينبغي فهمها في ضوء تعدّد الاستعمالات اللغويّة والقرآنيّة للخلق، والتمييز بين الخالقيّة الذاتيّة المستقلّة والخالقيّة التابعة، وبين الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي.
ومن ثمّ، فلا تعارض بين الدليل العقلي القائم على وحدانيّة الخالق، والنصوص التي ورد فيها إطلاق الخلق على غير الله؛ لأنّ التعارض إنّما يتصوّر لو اتّحدت الجهة والمعنى، وقد تبيّن أنّهما مختلفان.
فالخالق الحقيقي المستقلّ، المفيض للوجود على جميع الممكنات، هو الله سبحانه وتعالى وحده، وما عداه فمخلوق له، قائم به، مستمدّ منه القدرة والوجود والتأثير؛ وإن أُطلق عليه «الخالق» في بعض الموارد، فإنّما هو بلحاظ معنى محدود أو جهة مخصوصة، لا بمعنى الاستقلال في الإيجاد.
وبهذا يظهر انسجام الآيات والروايات مع أصل التوحيد، ويندفع ما قد يتوهّم من التعارض بين وحدة الخالق وإطلاق الخالق على غير الله تعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1. بحار الأنوار، ج57، ص333.
2. بحار الأنوار، ج90، ص17.
3. علل الشرائع، ج2، ص606.
4. بحار الأنوار، ج69، ص317.
