حاوره: مصطفى طه الياسري
في وقت تعيش فيه الرياضة العراقية مرحلة حساسة، تتداخل فيها الملفات الإدارية والقانونية مع الخلافات الرياضية، وتتعدد الطعون والدعاوى أمام الجهات المختصة، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة لما يجري بعيدًا عن الانفعال والمواقف الشخصية.
ويُعد الدكتور صالح المالكي من أبرز أصحاب الخبرة والرؤية في الشأن الرياضي، وصاحب حضور مهني وفكر قانوني رصين، عُرف بجرأته في قراءة الملفات المعقدة ووضع الحقائق على الطاولة بلا مجاملة.
في هذا الحوار الخاص، يتحدث المالكي بصراحة عن واقع الرياضة العراقية، وملفات اتحاد الكرة، والطعون أمام محكمة التحكيم الرياضي «كاس»، والدعوى الجزائية المرتبطة بالانتخابات، فضلًا عن تشكيل اللجان وتعارض المصالح وعلاقة المؤسسات الرياضية بالأندية.
كما يتناول عقود اللاعبين والاحتراف الرياضي، ودور وزارة الشباب والرياضة، وموقف العراق في الملفات الدولية، محذرًا من أن استمرار الخلافات والتقاطعات قد يقود الرياضة العراقية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
كيف تقرأ المشهد الرياضي العراقي في المرحلة الحالية، خصوصًا مع وجود تقاطعات وتدخلات وخلافات بين عدد من الشخصيات والمؤسسات الرياضية؟
للأسف الشديد، الرياضة العراقية تمر حاليًا بمنزلق خطير، بسبب وجود تقاطعات وتدخلات بين بعض المؤسسات الرياضية، وكذلك بين بعض الشخصيات الرياضية، وهذا قد يولد في بعض الحالات ردود فعل وانتقامًا وبحثًا عن أخطاء الطرف الآخر. المشكلة أن بعض هذه الخلافات بدأت تنتقل من الإطار الرياضي إلى المسارات القانونية والجزائية، وهذا أمر يحتاج إلى التعامل معه بحذر شديد. إذا أخذنا اتحاد الكرة مثالًا، فإن الرؤية ما زالت غير واضحة داخليًا وخارجيًا، خصوصًا مع وجود دعاوى وشكاوى أمام الجهات المختصة. أما ما يثار إعلاميًا من شبهات تزوير أو انتحال صفة، فيبقى في إطار الادعاءات التي تحتاج إلى إثبات قضائي، ولا يجوز أن نحسمها إعلاميًا قبل أن تقول المحكمة المختصة كلمتها.
ننتقل إلى الملف الخارجي أمام محكمة التحكيم الرياضي «كاس». هناك دعاوى وطعون مرتبطة بشرعية انتخابات اتحاد الكرة، بينها دعوى السيد عدنان درجال وعدد من الشخصيات الرياضية. إلى أين وصل مسار هذه القضايا؟
هناك أكثر من دعوى وطعن مرتبط بالعملية الانتخابية، ومن بينها الطعن الذي تقدم به السيد عدنان درجال، إلى جانب طعون تقدم بها عدد من الشخصيات الرياضية. هناك أطراف تطالب بإبطال العملية الانتخابية، وأطراف أخرى لديها طعون تتعلق بمناصب أو بأهلية بعض المرشحين. محكمة التحكيم الرياضي تنظر في المنازعات الرياضية التي يكون لها أساس في اتفاق التحكيم أو اللوائح والأنظمة الرياضية ذات الصلة، كما أن الطعون تخضع للمدد والإجراءات المحددة في النظام أو اللائحة المعنية. لكن في النهاية، لا يمكن أن نحكم مسبقًا لمصلحة طرف على حساب طرف آخر. علينا انتظار ردود الأطراف والدفوع التي ستقدم إلى المحكمة.
هناك من يتحدث عن أن أحد الأطراف يحاول كسب الوقت والمماطلة، فيما يرى آخرون أن كثرة الدعاوى والملفات تحتاج إلى وقت. كيف تنظرون إلى ذلك؟
في القضايا الرياضية والقانونية، لا أعتقد أنه من الصحيح إطلاق حكم مسبق على نيات أي طرف. قد تكون هناك حاجة إلى وقت بسبب تعدد الدعاوى والدفوع والمستندات، وقد تكون هناك إجراءات يجب استكمالها قبل أن تبدأ المحكمة بالنظر في جوهر النزاع. الطرفان سيقدمان حججهما، والمحكمة هي التي تقرر في النهاية مدى قوة هذه الحجج.
هل تتوقعون أن تستمر قضية اتحاد الكرة أمام «كاس» لسنتين كما يتردد؟
أعتقد أن الحديث عن سنتين سابق لأوانه. مدة القضية تعتمد على طبيعتها، وعدد الأطراف، والدفوع، والمستندات، والإجراءات التي تتخذها المحكمة. قد تكون المدة أقل إذا تحركت الدعوى بصورة طبيعية واكتملت الردود والإجراءات المطلوبة، لكن لا يمكن إعطاء موعد حاسم لصدور القرار. هناك أيضًا رسوم وإجراءات يجب أن تلتزم بها الأطراف، وفي حال عدم قيام أحد الأطراف بالإجراء المطلوب، فقد يضطر الطرف الآخر إلى اتخاذ الإجراء اللازم حتى لا تتأخر الدعوى. في النهاية، نحن أمام محكمة، وليس أمام توقعات إعلامية.
ماذا لو أثبتت الدعوى الجزائية وجود مخالفات قانونية مؤثرة في العملية الانتخابية؟ هل يمكن أن ينعكس ذلك على ملف «كاس»؟
إذا ثبت قضائيًا وجود مخالفة جنائية مؤثرة في العملية الانتخابية، فمن الطبيعي أن يكون لذلك وزن في أي ملف رياضي مرتبط بالواقعة نفسها. لكن يجب أن نكون دقيقين جدًا هنا. نحن نتحدث عن احتمال، وليس عن واقعة مثبتة. حتى الآن، المحكمة المختصة هي صاحبة القرار، وهي التي تدرس الأدلة والشكاوى وتقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى استدعاء بعض الشخصيات أو اتخاذ أي إجراء آخر. قد يحضر الشخص المعني أمام قاضي التحقيق ويدلي بإفادته، وبعدها يتخذ القاضي القرار وفق ما يتوفر أمامه من أدلة. لذلك أتمنى أن يكون الحسم سريعًا وعادلًا حتى تستقر كرة القدم العراقية.
هل تتوقعون صدور استقدامات بحق شخصيات رياضية في الدعوى الجزائية؟
هذا الأمر يعود إلى قاضي التحقيق المختص. إذا وجد أن الأدلة تستوجب الاستقدام، فسيصدر قراره وفق القانون. وحتى الآن من المبكر الجزم بذلك، لكن الأيام المقبلة قد تكشف تطورات جديدة.
لديكم ملاحظات أيضًا على طريقة تشكيل اللجان داخل اتحاد الكرة. ما الذي يقلقكم في هذا الملف؟
لدينا ملاحظات على موضوع اللجان، وهي مسألة مهمة جدًا. هناك لجان قضائية، ولجان مستقلة، ولجان دائمة، وكنت أتمنى أن يبدأ الاتحاد عهده بإعادة تقييم شامل لهذه اللجان، ثم تشكيلها وفق رؤية واضحة، حتى لو انتهى الأمر إلى إعادة الشخصيات نفسها. المهم أن تكون هناك منهجية ومعايير واضحة. لا يمكن أن يكون التغيير قائمًا على ردود الفعل. إما أن تكون اللجنة مبنية على الأكاديمية والخبرة والاستقلالية، أو أن يعاد تشكيلها وفق رؤية متكاملة. حتى لجنتي الاستئناف والانضباط تحتاجان إلى شخصيات تتمتع بالخبرة والاستقلالية، لأنهما من أهم اللجان في أي اتحاد.
هل تعتقدون أن الاتحاد الحالي يعمل أحيانًا بأسلوب رد الفعل؟
أتمنى أن أكون مخطئًا في هذا الانطباع. لكننا لم نلمس حتى الآن صورة واضحة وكاملة عن فلسفة تشكيل اللجان، ومن هم أعضاء بعض اللجان، وما هي المعايير التي اعتمدت في اختيارهم. نسمع عن الاستعانة بشخصيات أجنبية في بعض الملفات الفنية، مثل الحكام والمدربين، لكن نحتاج إلى معرفة الصورة كاملة: من هي هذه الشخصيات؟ وما خبراتها؟ وما طبيعة عملها؟ الشفافية هنا مهمة جدًا، خصوصًا أن الدوري على الأبواب.
ما الرسالة التي توجهونها إلى رئيس اتحاد الكرة يونس محمود في موضوع تعارض المصالح؟
الكابتن يونس محمود يجب أن يكون يقظًا جدًا في هذا الملف، لأن مسؤولية الرئيس كبيرة. إذا كان هناك عضو في الاتحاد أو المكتب التنفيذي يشغل في الوقت نفسه موقعًا يمكن أن يؤدي إلى تعارض في المصالح أو ازدواجية في المناصب، فيجب معالجة الأمر وفق القانون واللوائح. هذه مسؤولية الرئيس والمكتب التنفيذي. تعارض المصالح ليس مسألة بسيطة، وقد يضع الاتحاد أمام اعتراضات أو إجراءات من جهات رياضية محلية أو دولية. وأعتقد أن على يونس محمود أن يتحمل مسؤولية الرئيس كاملة، وأن يضع مصلحة الاتحاد والكرة العراقية فوق العلاقات والمواقف السابقة.
تحدثتم عن عقود اللاعبين، وهناك أرقام كبيرة يتم تداولها في سوق الانتقالات العراقية. ما الحل برأيكم؟
أقترح على وزارة الشباب والرياضة التنسيق مع الاتحادات الرياضية بشأن قانون الاحتراف الرياضي رقم 60 لسنة 2017، ووضع التعليمات التي تنظم تطبيق القانون. ومن الممكن دراسة وضع ضوابط مالية واضحة لعقود اللاعبين، بما فيها وضع سقوف أو معايير مالية تراعي إمكانات الأندية وإيراداتها، وليس أن تكون العقود مفتوحة بلا ضوابط. ليس من المنطقي أن تدخل الأندية في التزامات مالية ضخمة لا تتناسب مع مواردها. نحن بحاجة إلى ميزانيات واضحة، واستدامة مالية، وحماية للأندية من التزامات قد تؤدي لاحقًا إلى أزمات ومنازعات. وهذا الملف يحتاج إلى دراسة حقيقية من الوزارة والاتحاد والأندية، وليس قرارًا ارتجاليًا.
ماذا عن موقف العراق في الملفات الدولية، خصوصًا ما يتعلق بالتصويت داخل المؤسسات الرياضية؟
يجب أن يكون صوت العراق له قيمة. أي موقف أو تصويت يجب أن يكون ضمن رؤية تحقق مصلحة الكرة العراقية، وليس من باب المجاملة. علينا أن نفكر بمصلحة العراق أولًا، وأن يكون هناك تنسيق مع الحكومة والجهات الرسمية المعنية. الاتحاد العراقي لكرة القدم مؤسسة وطنية، وصوته يجب أن يوظف بما يخدم الكرة العراقية. أما موضوع اللعب مع إسرائيل، فهو ملف حساس تحكمه القوانين العراقية واللوائح الرياضية ذات الصلة، وعلى الاتحاد أن يكون دقيقًا جدًا في التعامل معه، وأن يضع مصلحة العراق في مقدمة قراراته.
ننتقل إلى ملف الأندية، وهناك حديث عن تدخل بعض المؤسسات الرياضية في تشكيل هيئات مؤقتة بعد حل إدارات أندية. كيف تنظرون إلى هذا الموضوع؟
هذا ملف مهم جدًا، ويحتاج إلى مراجعة قانونية جادة. هناك تداخل في الصلاحيات بين بعض المؤسسات الرياضية، وتشكيل هيئات مؤقتة بعد حل هيئات إدارية يحتاج إلى أساس قانوني واضح. من وجهة نظري، يجب أن تكون الأندية مستقلة إداريًا وماليًا، وأن يكون هناك احترام كامل للجمعيات العمومية والأنظمة التي تحكم عملها. لا يمكن أن تبقى الصلاحيات متداخلة إلى درجة تجعل النادي لا يعرف من هي الجهة صاحبة القرار النهائي في شؤونه الإدارية.
وماذا عن قانون اللجنة الأولمبية رقم 29 لسنة 2019؟ وهل ترون أنه غيّر طبيعة الصلاحيات السابقة؟
القانون الجديد جاء بإطار تشريعي مختلف لتنظيم عمل اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية. لذلك يجب أن تتم قراءة القانون بصورة كاملة، وعدم الاستناد إلى نصوص أو ممارسات سابقة إذا كانت تتعارض مع الإطار القانوني الجديد. المشكلة ليست فقط في النص، وإنما في تفسيره وتطبيقه. وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حوار قانوني واضح بين وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحادات والأندية، حتى نضع حدودًا واضحة لصلاحيات كل جهة.
في ختام هذا الحوار، ماذا تقولون للوسط الرياضي العراقي؟
أقول إن الرياضة العراقية تستحق أفضل مما يحدث الآن. نحن بحاجة إلى الابتعاد عن الشخصنة وردود الفعل، والعودة إلى المؤسسة والقانون. قوة الاتحاد لا تأتي من كثرة الخصوم، وإنما من قوة النظام والشفافية وصحة الإجراءات. أتمنى أن يحسم القضاء جميع الملفات المطروحة أمامه بعدالة وسرعة، وأن يحترم الجميع قراراته مهما كانت. وأقول للكابتن يونس محمود وأعضاء المكتب التنفيذي: أمامكم فرصة لبناء مرحلة جديدة. لا تجعلوا الخلافات القديمة تتحول إلى قرارات جديدة. نحتاج إلى اتحاد يتسع للجميع، ويعمل بالقانون، ويضع مصلحة العراق والكرة العراقية قبل الأشخاص.
