تشهد الساحة الرياضية العراقية هذه الأيام سباقًا محمومًا بين الأندية لتعزيز صفوفها بلاعبين يُصنَّفون على أنهم من الصف الأول، بعقود مالية خيالية تجاوز بعضها المليار دينار، ولا سيما في عدد من أندية المحافظات الشمالية. وهذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع الرياضي: هل يستحق هؤلاء اللاعبون فعلًا هذه الأرقام؟ وما العائد الفني المنتظر منهم خلال موسم واحد؟
الحقيقة أن قيمة اللاعب لا تُقاس بحجم العقد، بل بما يقدمه داخل الملعب. وكثير من الأسماء التي نالت عقودًا ضخمة لم تثبت أنها قادرة على صناعة الفارق، لا مع المنتخب الوطني ولا مع الأندية التي مثّلتها، الأمر الذي يجعل المبالغة في الإنفاق محل نقاش واسع.
وفي المقابل، تعاني معظم أنديتنا من غياب أبسط مقومات العمل الاحترافي؛ فلا ملاعب تدريب حديثة، ولا أكاديميات حقيقية لتطوير الفئات العمرية، بل إن العديد منها يضطر إلى استئجار الملاعب لخوض مبارياته الرسمية، وهو تناقض صارخ بين حجم الإنفاق وضعف البنية التحتية.
إن استمرار هذا النهج لن يخدم مستقبل الكرة العراقية، لذلك بات من الضروري وضع ضوابط واضحة لسقف التعاقدات بما يحقق التوازن المالي ويحافظ على استدامة الأندية، مع توجيه جزء أكبر من الموارد نحو بناء الملاعب، وتطوير الأكاديميات، والاستثمار في المواهب الشابة.
كما نأمل من دولة رئيس مجلس الوزراء فتح ملف الرياضة العراقية بصورة شاملة، ومراجعة آليات إنفاق الأموال المخصصة للأندية، ولا سيما الأندية المؤسساتية، والوقوف على مواطن الخلل والهدر إن وجدت، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويضمن توجيه المال العام لخدمة الرياضة العراقية.
فالرياضة لا تُبنى بالعقود المليارية وحدها، بل تُبنى بالتخطيط السليم، والبنية التحتية، والإدارة الكفوءة، والاستثمار الحقيقي في الإنسان. وعندها فقط يمكن أن نصنع أجيالًا قادرة على إعادة العراق إلى منصات الإنجاز.
