لم يبح المشهد الشعري في مصر بأسراره، ثمة تناقضات تشكل جوهره، إذ تباغتنا أصوات شعرية باذخة تفضل الجانب المعتم بعيدا عن الشللية والأضواء الكاذبة -غالبا- وتنتج نصوصها بلا ضجيج، وتقدم اقتراحات شعرية تضيف قيما جمالية ومعرفية إلى قصيدة النثر، وتواجه في اللحظة ذاتها محاولات فرض أسماء بعينها أو أنموذجا بائسا يجتره الكثيرون. كشفت مجموعة “الفئران تجيد الرقص أيضا” عن صوت شعري مغاير بما ضمته من نصوص حملت خطابا شعريا يسعى إلى كسر ما هو ثابت، ويباغتنا بعلاقات غير متوقعة بين الموجودات، إضافة إلى تشكيلات جمالية متنوعة ومتعددة تشكل في مجملها نصا واحدا ممتدا، فالخطاب الشعري في المجموعة الصادرة مؤخرا عن الهيئة العامة للكتاب تعيد من خلاله الذات الشاعرة اكتشاف الحياة والتفاعل معها عبر الكشف والتمرد والانتهاك.
تتكون المجموعة من سبعة وعشرين نصا متنوعة في الطول والقصر وتوظيف المقاطع الشعرية وكذا السرد الشعري والكتلة النثرية، وإن جاءت في شكل قصيدة الشعر الحر مثل نص “علكة على إطار دبابة أليفة”.
ومنذ المفتتح “جنية تنهش الشياطين” وحتى “لوثة الشعر…حياة” هناك تنامي أفقي ورأسي فالنص الأول “جنية تنهش الشياطين ” يمثل مفتتحا دالا وعتبة لقراءة المجموعة، فجاء في خمسة مقاطع حملت عناوين “الدرس الأول” إلى “الدرس الخامس” لتضعنا في مواجهة مع ذواتنا وهي تعيد اكتشاف البدايات والدهشة الأولى ومواجهة السلطات كافة وانتهاك ما هو ثابت عبر خطاب شعري يتدفق بتلقائية
( يااا الله!
كل هذه الاستنساخات للحن واحد
ولم تعبأ أمي قط أني أصم!)
فهي تواجه السلطات الاجتماعية مجتمعة (الأب والأم والأنوثة والمدرسة والتاريخ) عبر خطاب شعري جمالي تكشف فيه الذات الشاعرة عن موقفها، وتسخر من تلك السلطات. الشاعرة تقول (اسمي أحمد) وتكرر الجملة في مفتتح النصوص الثلاثة الأولى، والأم قضيتها الراهنة “حناكل إيه بكرة” تقول هذا وهي تعقم مواعظ جدتها، الأداء الشعري في هذه المقاطع يماثل المونودراما حيث تبدو الذات الشاعرة وكأنها فوق خشبة مسرح تقدم عرضا تجريبيا وتخاطب المتفرجين وتتحرك بسلاسة فوق مسرح؛ هو في جوهره – بعيدا عن التأويل- صورة للحياة ذاتها. وتنتقل النصوص من صراعات الطفولة إلى صراعات أشد حدة فالنص يمثل سيرة حياة تمتزج داخلهُ الذات الفردانية بذات جمعية رحبة.
وتكشف العلاقات والتراكيب اللغوية داخل المجموعة عن مخيلة باذخة:
تغني للشمس كي تنام والعلاقات مكسورة الجناح والدعاء المختصر يتم تدميسه، والشتاء محض جريمة، والشوارع مستعدة للتنازل عن خطانا، والخضروات في السوق ترتجل سجالا أدبيا، وهي تصنع الثلج بصندوق التبرعات، وتتصدق على الشارع برقصة تانجو وتحشو كعكاتها بقذائف الهاون.
إن مثل تلك العلاقات بين الأشياء تحمل المفارقة بما تحمله من متناقضات، وفي اللحظة ذاتها تقدم صورا شعرية شديدة الحميمية وتجمع شتات العالم وتمزج الفرداني الخاص بما هو عام، وقد كشفت عن تلك اللعبة الجمالية في عناوين نصوصها مثل ” علكة على إطار دبابة أليفة” أو نزاع إقليمي على حدود لانجري” تلك العلاقات المدهشة بين الأشياء وجمع شتات العالم يؤكد على خصوصية التجربة الشعرية. فالموجة الجديدة من قصيدة النثر والتي يقدمها شعراء الألفية الجديدة أقل اهتماما بالعالم، وغالبا ما تغيب الذات الجمعية عن نصوصهم فالذات لديهم منعزلة ومنفية تعاني من غياب التواصل مع الآخر، أما في نصوص هذه المجموعة فالذات في صراع ديالتيكي مع الآخر / الآخرين
(أيها الطبيب
أريد ان يصبح قلبي رخاما مصقولا
يتعذر على خيالي أن يمشي فوقه…
ويغدو سكينا يقشر الحياة عن تماثيل
أسبغت عليها علوم الوراثة ملامح البشر…
ويمسي جوربا مطاطيا يناسب أقدام طاولات المفاوضات
حول التطبيع مع البطاقات الائتمانية) ص97
يكشف هذا المقطع الشعري عن آليات متعددة للكتابة ما بين السرد الشعري والمجاز البصري وفي الوقت ذاته يمتزج ما هو جمالي بالمعرفي، ولا يمكن أن نتجاوز السخرية وهي أشد حالات الغضب والنقد حيث الجورب المطاطي في أقدام طاولات المفاوضات فالحس الساخر داخل النصوص يصنع أفقا دلاليا شديد الرحابة يضاف إلى العلامات السميائية العديدة مثل:
الأم والأب والموسيقى التي جاءت داخل النصوص بمفردات مثل أصابع البيانو والأغاني والنايات والعزف ومقطوعات “شوبان وكلايدرمان” واحتساء فيروز واللحن، وأيضا الملابس وأدوات التجميل والطهي وهي علامات سميائية ترتبط بحياة السيدات مثل اللانجري وخاتم العرس وطلاء الأظافر وثوب سهرتها وزعافة السقف وأطراف شعرها المتقصفة وصفير حلة “بريستو” وعقد من اللازورد وإعداد الفطور.
ولا يمكن إغفال ملاك الموت الذي تكرر في مواضع متعددة داخل نصوص المجموعة، ولا العالم الافتراضي من خلال أصابع الكيبورد والفيس بوك، وهذه العلامات السميائية تشكل كذلك تفاصيل حياة لا تخص الذات الشاعرة بمفردها بل تقترب منا جميعا ومن حيواتنا وصراعتنا اليومية كما تكشف عن التناص، فهذه الأشياء التي ضمتها نصوص المجموعة توجد جميعها في الحياة، ويتشكل النص منها مثل الفسيفساء، وحين يتم استحضارها تتشكل علاقات جديدة معها تثري النص وتؤكد على التفاعل والصراع مع العالم، فالذات داخل النص ذات فاعلة تجوب عوالم متعددة وتواجه متناقضات الحياة وشبكة إشكالياتها شديدة التعقيد.
والشخصية داخل النص تتوافق مع اللحظة الآنية، فقد انتهت شخصية الفارس والنبيل، وكذا سقطة البطل الدرامية، ولم يعد البطل من يواجه الموت بل من يتقبل الحياة، فالنص الشعري هو نص معرفي في علاقة متشابكة مع التاريخ دون أن يغفل جوهره الجمالي، وقصيدة النثر هي النص المتوافق مع اللحظة التاريخية حيث ينطلق الصوت الداخلي عميقا وقويا، ويغيب الزمن الخارجي لصالح زمن داخلي مطلق هو زمن المبدع من خلال استبطان الذات، وفي نصوص المجموعة يبدو الصوت الداخلي صادحا ويتحول الزمن الخارجي داخل الحكايات الصغيرة التي ضمتها النصوص إلى زمن داخلي، فالحكي وآلياته تم توظيفهما داخل نصوص المجموعة لتثري النص، فالحكي سمة إنسانية لا تخص مجتمعا بعينه، وجاءت الحكايات متنوعة ما بين الخبرية والحلم والحوار، وبعضها يأتي من مخيلة استعادية ، وبعضها للزمن الاستباقي دوره في تشكيلها، إضافة إلى إعادة انتاج الحكايات والتفاعل معها مثل الحكايات الشعبية عن الجنيات ومصباح علاء الدين لتقدم تفاعلا نصيا تفتح من خلاله آفاقا دلالية غير محدودة.
إننا أمام نص شعري شديد الخصوصية جاء في لغة سلسة تقترب من لغة الحياة اليومية، قدمت من خلاله الشاعرة خطابا جماليا ثريا يضيف الكثير إلى المشهد الشعري ويكشف عن نص شعري له خصوصيته ويحمل قدرا هائلا من الصدق الفني ومساحات غير محدودة من الدهشة تبدأ من جنية الشعر بحثا عن جنون الحياة.

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *