يحدثنا‭ ‬التاريخ‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬شعوباً‭ ‬كثيرة‭ ‬أضر‭ ‬بها‭ ‬أبناؤها،‭ ‬وكانوا‭ ‬أشد‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬أعدائها،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬خارجها،‭ ‬أعادوا‭ ‬لها‭ ‬الهدوء،‭ ‬ومنحوها‭ ‬ما‭ ‬تحلم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬طمأنينة‭.‬

 

‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬يبدأ‭ ‬الاستبداد‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬ويجد‭ ‬في‭ ‬التركيبة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومنظومة‭ ‬القيم‭ ‬السائدة،‭ ‬والوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الصعب،‭ ‬أرضاً‭ ‬خصبة‭ ‬كي‭ ‬يمارس‭ ‬فيها‭ ‬طغيانه‭ ‬على‭ ‬الناس‭.‬

 

‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬كهذه‭ ‬أن‭ ‬يندحر‭ ‬الاستبداد،‭ ‬وتتحرر‭ ‬منه‭ ‬البلاد،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬أعداد‭ ‬المتذمرين‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬وتجمعات‭ ‬الكارهين‭ ‬لا‭ ‬تحصى،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تتطلع‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭ ‬طلباً‭ ‬للنجدة،‭ ‬أو‭ ‬العون،‭ ‬أو‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭.‬

 

مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬كثيرة،‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وكانت‭ ‬النتائج‭ ‬مبهرة‭. ‬إذ‭ ‬غدت‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الصف‭ ‬الأول،‭ ‬وبات‭ ‬العالم‭ ‬يحسب‭ ‬لها‭ ‬ألف‭ ‬حساب،‭ ‬وآخر‭ ‬الغيث‭ ‬كان‭ ‬العراق،‭ ‬حينما‭ ‬انهار‭ ‬نظامه‭ ‬السياسي‭ ‬المتوحش‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬أقدام‭ ‬جنود‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭.‬

 

‭ ‬ومثلما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بوسع‭ ‬الألمان‭ ‬أن‭ ‬يقفوا‭ ‬بوجه‭ ‬هتلر،‭ ‬ويواجهوا‭ ‬قواته‭ ‬التي‭ ‬اندفعت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬أوربا،‭ ‬وتوغلت‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬أفريقيا،‭ ‬ولم‭ ‬تنه‭ ‬غطرسته‭ ‬سوى‭ ‬الجيوش‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬أوربا،‭ ‬وغربها،‭ ‬فإن‭ ‬العراقيين‭ ‬كذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدورهم‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بغير‭ ‬ما‭ ‬عون‭ ‬خارجي‭.‬

 

لقد‭ ‬جربوا‭ ‬كافة‭ ‬الطرق‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬وثاروا‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ ‬ولم‭ ‬ينجحوا،‭ ‬فأيقنوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬لن‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬قبلي‭ ‬–‭ ‬مخابراتي‭ ‬بمفردهم،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬كبرى‭ ‬تزيحه‭ ‬عن‭ ‬كاهلهم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬بعدما‭ ‬تعرضت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬اعتداءات‭ ‬إرهابية‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬أيلول‭ ‬2001‭, ‬وما‭ ‬سبق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حصار‭ ‬مطبق‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬1991‭.‬

 

‭ ‬وقد‭ ‬انقسم‭ ‬العراقيون‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬ومعارض،‭ ‬ومتحمس‭ ‬ومتردد،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬متوقع‭ ‬بالطبع،‭ ‬فالاستبداد‭ ‬له‭ ‬أنصاره‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬دعاة‭ ‬المدنية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليهم‭ ‬الليبراليون‭ ‬الجدد‭ ‬قد‭ ‬شعروا‭ ‬بالنشوة‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬التدخل،‭ ‬فإنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يظنون‭ ‬أن‭ ‬الوسادة‭ ‬ستطوى‭ ‬لهم،‭ ‬وسيتولون‭ ‬مقاليد‭ ‬الأمور،‭ ‬ويزيحون‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تخالفهم‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والسلوك‭ ‬جانباً،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أبداً،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬خاضت‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسلامية‭ ‬الانتخابات،‭ ‬وحازت‭ ‬على‭ ‬الأغلبية،‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬اليساريين‭ ‬القدامى‭ ‬انضموا‭ ‬إلى‭ ‬الليبراليين،‭ ‬وباتوا‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬منهم،‭ ‬في‭ ‬الوجهة‭ ‬والتفكير‭ ‬والسلوك‭!‬

 

إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬الأجنبي‭ ‬ضد‭ ‬الأنظمة‭ ‬المستبدة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ،‭ ‬هو‭ ‬احتفاظ‭ ‬القوى‭ ‬الغازية‭ ‬لنفسها‭ ‬بحق‭ ‬النقض‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬الشائكة،‭ ‬فالبلدان‭ ‬التي‭ ‬تدخلت‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬الحياد،‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬طويل،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تقو‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬آثار‭ ‬الخراب‭ ‬بغير‭ ‬المال‭ ‬الأميركي،‭ ‬والحماية‭ ‬الأطلسية‭.‬

 

ولم‭ ‬يتمكن‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬هذا‭ ‬الطوق‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬وكان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوفر‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬وقت‭ ‬قصير،‭ ‬لولا‭ ‬تحديات‭ ‬الخارج،‭ ‬وتداعيات‭ ‬الداخل،‭ ‬وأبرزها‭ ‬غزوات‭ ‬السلفيين‭.‬

 

إن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إصلاح‭ ‬مشروط‭ ‬دون‭ ‬ريب،‭ ‬لكنه‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬إضاعة‭ ‬السنين‭ ‬بانتظار‭ ‬الظروف‭ ‬الموضوعية،‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للمجتمع‭ ‬أن‭ ‬يسترد‭ ‬حريته،‭ ‬بجهده‭ ‬الذاتي،‭ ‬وعزيمته‭ ‬القوية،‭ ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬منه‭ ‬يتشبث‭ ‬بالتدخل‭ ‬الأجنبي‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬ثم‭ ‬يشتمه‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬فهذا‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬بوجهه‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬الأولى،‭ ‬لأن‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬الانتصار‭ ‬لجلاديه‭ ‬الذين‭ ‬أطبقوا‭ ‬على‭ ‬أنفاسه‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬ممضة،‭ ‬ولم‭ ‬يحفظوا‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬ولا‭ ‬ذمة،‭ ‬وتركوه‭ ‬نهباً‭ ‬للآلام‭ ‬والأوجاع‭ ‬والحيرة‭. ‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *