بين‭ ‬حينٍ‭ ‬وآخرَ‭ ‬كان‭ ‬يداهمُ‭ ‬صدري‭ ‬نغزٌ‭ ‬مُوجِعٌ‭ ‬يستمرُّ‭ ‬لحظاتٍ‭ ‬ثم‭ ‬يختفي،‭ ‬وكنتُ‭ ‬أُعزوهُ‭ ‬إلى‭ ‬تشنّجاتٍ‭ ‬في‭ ‬عضلاتِ‭ ‬القلبِ‭ ‬أو‭ ‬إرهاقٍ‭ ‬في‭ ‬حويصلاتِ‭ ‬الرئة؛‭ ‬هكذا‭ ‬كنتُ‭ ‬أُقنعُ‭ ‬نفسي‭ ‬دون‭ ‬مراجعةِ‭ ‬طبيبِ‭ ‬العائلةِ‭ ‬الفيتنامي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبعدُ‭ ‬عن‭ ‬منزلِنا‭ ‬القديمِ‭ ‬إلّا‭ ‬دقائقَ‭ ‬معدودةً‭ ‬سيرًا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬النغزاتِ‭ ‬بعد‭ ‬انتقالِنا‭ ‬إلى‭ ‬منزلِنا‭ ‬الجديد‭ ‬بدأت‭ ‬تزداد‭ ‬وتطول،‭ ‬وصارت‭ ‬تستمرُّ‭ ‬لدقائقَ‭ ‬أشعرُ‭ ‬خلالها‭ ‬بصعوبةٍ‭ ‬في‭ ‬التنفّس،‭ ‬فعزوتُ‭ ‬الأمرَ‭ ‬إلى‭ ‬قربِنا‭ ‬من‭ ‬المحيطِ‭ ‬الهندي،‭ ‬وربما‭ ‬الرطوبةُ‭ ‬هي‭ ‬السببُ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬زوجتي‭ ‬لم‭ ‬تسكت،‭ ‬وطلبتْ‭ ‬منّي‭ ‬مراجعةَ‭ ‬الطبيب‭. ‬وهكذا‭ ‬حملتُ‭ ‬جسدي‭ ‬بالسيارة‭ ‬وذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬المركزِ‭ ‬الصحّي‭. ‬وجدتُ‭ ‬طبيبَ‭ ‬العائلةِ‭ ‬في‭ ‬إجازةٍ،‭ ‬ولذا‭ ‬دخلتُ‭ ‬على‭ ‬طبيبةٍ‭ ‬صغيرةِ‭ ‬العمر،‭ ‬بوجهٍ‭ ‬عصفوريٍّ‭ ‬له‭ ‬لونُ‭ ‬القمح‭. ‬شرحتُ‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬أشكو‭ ‬منه،‭ ‬فرفعت‭ ‬جهازًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬وطلبتْ‭ ‬منّي‭ ‬النفخَ‭ ‬بقوّةٍ‭ ‬في‭ ‬أنبوبٍ‭ ‬مطّاطيٍّ‭ ‬لقياسِ‭ ‬قوّةِ‭ ‬التنفّس،‭ ‬ثم‭ ‬نهضتْ‭ ‬وبدأتْ‭ ‬بسماعتِها‭ ‬تفحصُ‭ ‬شهيقي‭ ‬وزفيري‭ ‬في‭ ‬مواضعَ‭ ‬متفرّقةٍ‭ ‬من‭ ‬ظهري‭ ‬وصدري،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعودَ‭ ‬إلى‭ ‬طاولتِها‭ ‬وتكتبَ‭ ‬سطورًا‭ ‬على‭ ‬الحاسوب‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلّا‭ ‬لحظاتٌ‭ ‬حتى‭ ‬سمعتُ‭ ‬أنينَ‭ ‬الطابعة،‭ ‬ثم‭ ‬وضعتْ‭ ‬الطبيبةُ‭ ‬ورقةً‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬وطلبتْ‭ ‬منّي‭ ‬الذهابَ‭ ‬فورًا‭ ‬إلى‭ ‬مركزِ‭ ‬الأشعّة‭ ‬القريب‭. ‬هناك‭ ‬التقطتْ‭ ‬فتاةٌ‭ ‬أستراليةٌ‭ ‬مرِحة،‭ ‬لبشرتِها‭ ‬لونُ‭ ‬الشمعِ‭ ‬الذهبي،‭ ‬أربعَ‭ ‬صورٍ‭ ‬لصدري‭ ‬العاري‭ ‬من‭ ‬جهاتٍ‭ ‬مختلفة،‭ ‬ثم‭ ‬طلبتْ‭ ‬منّي‭ ‬الانتظارَ‭ ‬في‭ ‬صالةِ‭ ‬الاستقبال‭. ‬بعد‭ ‬فترةٍ‭ ‬وجيزةٍ‭ ‬عادت‭ ‬بوجهٍ‭ ‬يمطرُ‭ ‬ابتساماتٍ‭ ‬رقيقة،‭ ‬وأخبرتني‭ ‬أنَّ‭ ‬المركزَ‭ ‬سيرسلُ‭ ‬التقريرَ‭ ‬عبر‭ ‬البريد،‭ ‬وعليّ‭ ‬انتظارُ‭ ‬إشعارٍ‭ ‬من‭ ‬الطبيبة‭. ‬هجستُ‭ ‬أنَّ‭ ‬صورَ‭ ‬الأشعّة‭ ‬تحملُ‭ ‬مكروهًا‭ ‬ما،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الفتاةُ‭ ‬الذهبيةُ‭ ‬لم‭ ‬تضعْ‭ ‬الصورَ‭ ‬والتقريرَ‭ ‬في‭ ‬يدي‭. ‬ولما‭ ‬عدتُ‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬أخبرتُهم‭ ‬أنَّ‭ ‬كلَّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭ ‬لكنّي‭ ‬في‭ ‬حقيقةِ‭ ‬الأمر‭ ‬بدأتُ‭ ‬أفكّرُ‭ ‬بالموتِ‭ ‬غريبًا‭ ‬عن‭ ‬وطني؛‭ ‬بل‭ ‬كنتُ‭ ‬قلقًا‭ ‬على‭ ‬روايةٍ‭ ‬ثالثةٍ‭ ‬ما‭ ‬زلتُ‭ ‬أكتبُ‭ ‬فيها‭ ‬ولم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد،‭ ‬وعلى‭ ‬مجاميعَ‭ ‬شعريةٍ‭ ‬مخطوطةٍ‭ ‬بالعربية،‭ ‬وأخرى‭ ‬كتبتُ‭ ‬قصائدَها‭ ‬بالإنكليزية‭ ‬ولم‭ ‬أجدْ‭ ‬فرصةً‭ ‬لطبعِها،‭ ‬وعلى‭ ‬مقالاتي‭ ‬المنشورةِ‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬وقد‭ ‬تجاوزتِ‭ ‬الألفَ‭ ‬مقالٍ‭ ‬أفكّرُ‭ ‬بطبعِها‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المسرحياتِ‭ ‬المكتوبةِ‭ ‬للصغارِ‭ ‬والكبار،‭ ‬وانطباعاتٍ‭ ‬نقديةٍ‭ ‬تجاوزتِ‭ ‬المئةَ‭ ‬عن‭ ‬أدباءَ‭ ‬مبدعين‭ ‬نشروا‭ ‬كتبَهم‭ ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬سابق‭. ‬تذكّرتُ‭ ‬وعدي‭ ‬إلى‭ ‬زهرةِ‭ ‬الرازقي‭ ‬البعيدةِ‭ ‬للقاءٍ‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬المقبل،‭ ‬وشعرتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الوقتَ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مناسبًا‭ ‬البتّةَ‭ ‬لمغادرةِ‭ ‬الحياة‭. ‬وفكّرتُ‭ ‬برفاتي‭: ‬هل‭ ‬سيحالفُه‭ ‬الحظُّ‭ ‬ويُدفنُ‭ ‬بجوارِ‭ ‬قبورِ‭ ‬أبي‭ ‬وأمّي‭ ‬وأختي‭ ‬وأخي‭ ‬في‭ ‬مقبرةِ‭ ‬كربلاء،‭ ‬أم‭ ‬سيُوارى‭ ‬الثرى‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أستراليا؟‭ ‬وخطرتْ‭ ‬فكرةٌ‭ ‬مجنونةٌ‭ ‬في‭ ‬رأسي‭: ‬أن‭ ‬أقدّمَ‭ ‬جثّتي‭ ‬هديةً‭ ‬إلى‭ ‬كليةٍ‭ ‬طبية،‭ ‬لكن‭ ‬زوجتي‭ ‬هتفتْ‭ ‬غاضبةً‭ ‬بوجهي‭ ‬وأخبرتني‭ ‬أنَّ‭ ‬دينَنا‭ ‬الحنيف‭ ‬لا‭ ‬يجيزُ‭ ‬ذلك،‭ ‬ثم‭ ‬قالت‭ ‬ترتجف‭: ‬

 

〝‭ ‬لماذا‭ ‬تُرعبني‭ ‬بهذه‭ ‬الأفكارِ‭ ‬الغريبة؟

 

عدتُ‭ ‬أفكّرُ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئس‭ ‬الأصدقاءُ‭ ‬وذهبتْ‭ ‬مناشداتُهم‭ ‬للحكومةِ‭ ‬بنقلِ‭ ‬رفاتي‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬أدراجَ‭ ‬الرياح؛‭ ‬فتخيّلتُ‭ ‬جسدي‭ ‬يُحملُ‭ ‬بجنازةٍ‭ ‬موشّحةٍ‭ ‬بعلمِ‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬أكتافِ‭ ‬بعضِ‭ ‬الغرباءِ،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يُوارى‭ ‬الثرى‭ ‬في‭ ‬الأرضِ‭ ‬الأسترالية‭ ‬أقفزُ‭ ‬من‭ ‬التابوتِ‭ ‬وأحلّقُ‭ ‬نحو‭ ‬سماواتِ‭ ‬الله‭. ‬تبسّمتُ‭ ‬لذلك‭ ‬المشهدِ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الفنتازيا،‭ ‬وقرّرتُ‭ ‬العملَ‭ ‬بهِمّةٍ‭ ‬على‭ ‬أرشفةِ‭ ‬جميعِ‭ ‬نتاجاتي،‭ ‬وحفظِها‭ ‬في‭ ‬فلاشٍ‭ ‬صغيرٍ‭ ‬على‭ ‬أملِ‭ ‬إرسالهِ‭ ‬إلى‭ ‬صديقي‭ ‬الدكتور‭ ‬فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬ليبقى‭ ‬وديعةً‭ ‬عنده،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬صديقي‭ ‬القاص‭ ‬علي‭ ‬حسين‭ ‬عبيد‭. ‬لم‭ ‬أشأ‭ ‬أن‭ ‬أتركَ‭ ‬ذلك‭ ‬الفلاشَ‭ ‬بيدِ‭ ‬أمِّ‭ ‬الجهّال‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تكتشفَ‭ ‬أمرَ‭ ‬رحيلي‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬قريبًا‭.‬

 

ولما‭ ‬زرتُ‭ ‬الطبيبةَ‭ ‬الصغيرةَ‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬طلبِها،‭ ‬أخبرتني‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬أنَّ‭ ‬بقعًا‭ ‬سوداءَ‭ ‬تنتشرُ‭ ‬في‭ ‬مجاهيلِ‭ ‬رئتي‭. ‬استقبلتُ‭ ‬الخبرَ‭ ‬دون‭ ‬خوفٍ‭ ‬لأنّي‭ ‬توقّعتُ‭ ‬ذلك،‭ ‬وقرّرتُ‭ ‬حالَ‭ ‬مغادرتي‭ ‬غرفتها‭ ‬أن‭ ‬أحجزَ‭ ‬تذكرةَ‭ ‬طيرانٍ‭ ‬أطوفُ‭ ‬بها‭ ‬العالمَ‭ ‬بأسره‭ ‬قبل‭ ‬الموت‭. ‬لكنها‭ ‬عادت‭ ‬وأخبرتني‭ ‬أنَّ‭ ‬تلك‭ ‬البقعَ‭ ‬الغريبةَ‭ ‬لم‭ ‬تتأكّدْ‭ ‬من‭ ‬خطورتِها‭ ‬بعد،‭ ‬وطلبتْ‭ ‬منّي‭ ‬إجراءَ‭ ‬صورةٍ‭ ‬شعاعيةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬أسبوعين،‭ ‬وكتبتْ‭ ‬لي‭ ‬بعضَ‭ ‬المضاداتِ‭ ‬الحيوية‭.‬

 

لم‭ ‬أنفّذ‭ ‬طلبَها،‭ ‬لكنّي‭ ‬تناولتُ‭ ‬المضاداتَ‭ ‬الحيويةَ‭ ‬كلَّها،‭ ‬وحملتُ‭ ‬جسدي‭ ‬مع‭ ‬صورِ‭ ‬الأشعّةِ‭ ‬القديمة‭ ‬إلى‭ ‬طبيبِ‭ ‬العائلةِ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬إجازتهِ‭. ‬استقبلني‭ ‬الطبيبُ‭ ‬الفيتناميُّ‭ ‬الشفّافُ‭ ‬الذي‭ ‬يعرفُ‭ ‬عن‭ ‬جسدي‭ ‬ورأسي‭ ‬وحياتي‭ ‬وجنوني‭ ‬كلَّ‭ ‬شاردةٍ‭ ‬وواردة،‭ ‬وأخبرتُه‭ ‬بما‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬وضعي‭ ‬الصحي‭. ‬رفع‭ ‬صورةَ‭ ‬الأشعّة‭ ‬نحو‭ ‬حزمةِ‭ ‬نورٍ‭ ‬منهمرةٍ‭ ‬من‭ ‬نافذةِ‭ ‬الغرفة،‭ ‬وأمعن‭ ‬النظرَ‭ ‬فيها،‭ ‬ثم‭ ‬تبسّم‭ ‬وقال‭: ‬لا‭ ‬تقلق‭. ‬ثم‭ ‬نهض‭ ‬وتفحّص‭ ‬مواضعَ‭ ‬من‭ ‬صدري‭ ‬وظهري‭ ‬بسماعته‭ ‬الطبية،‭ ‬وقرأ‭ ‬التقريرَ‭ ‬المرفقَ‭ ‬مع‭ ‬الصورِ‭ ‬الشعاعية،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬مبتسمًا‭: ‬

 

〝 infection‮…‬ just infection‮…‬‭ ‬don*t‭ ‬worry‭.‬

 

شعرتُ‭ ‬بالسرور،‭ ‬بينما‭ ‬عادَ‭ ‬الطبيب‭ ‬يقولُ‭ ‬بثقةٍ‭ ‬هادئةٍ‭ ‬تشبه‭ ‬يدًا‭ ‬تربّتُ‭ ‬على‭ ‬كتفٍ‭ ‬خائف‭: ‬

 

–‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الوقتُ‭ ‬مبكّرًا‭ ‬جدًّا‭ ‬حتى‭ ‬تموتَ‭ ‬أيّها‭ ‬الشاعرُ‭ ‬الحزين‭. ‬يتبع‮…‬‭ ‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *