عندما‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الصور‭ ‬الأولى‭ ‬للأدب،‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬صور‭ ‬النشرات‭ ‬المدرسية،‭ ‬ومعها‭ ‬أيضًا‭ ‬تلك‭ ‬المنمنمات‭ ‬الحرفية‭ ‬البكر،‭ ‬مثل‭ ‬محاكاة‭ ‬صورة‭ ‬العلم‭ ‬العراقي‭ ‬أو‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬أو‭ ‬رسمة‭ ‬وردة،‭ ‬أو‭ ‬وجه‭ ‬ما،‭ ‬من‭ ‬جيفارا‭ ‬إلى‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭. ‬وهذا‭ ‬حقًا‭ ‬يقودنا‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬الأدب،‭ ‬أو‭ ‬لماذا‭ ‬نكتب؟‭ ‬وبالنهاية‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬محاكاة‭ ‬الواقع،‭ ‬أم‭ “‬فنطزة‭” (‬من‭ ‬فنطازيا‭)‬،‭ ‬أم‭ ‬تجميل‭ ‬له،‭ ‬وربما‭ ‬تجاوزه‭ (‬ويكون‭ ‬التجاوز‭ ‬لمحمد‭ ‬الجزائري‭)‬؟

 

كنت‭ ‬أفكر‭ ‬بكل‭ ‬هذا‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬عملًا‭ ‬آخر‭ ‬للروائي‭ ‬طه‭ ‬الشبيب،‭ ‬وقد‭ ‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬أعماله‭. ‬والعمل‭ ‬الأخير‭ ‬هو‭ “‬خاصرة‭ ‬الرغيف‭”‬،‭ ‬طبعة‭ ‬بغداد،‭ ‬وإصدار‭ ‬دار‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭.‬

 

كنت‭ ‬قد‭ ‬تداولت‭ ‬مع‭ ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬بشأن‭ ‬أعماله‭ ‬أو‭ ‬أدبه،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭: “‬أنت‭ ‬تقسو‭ ‬على‭ ‬قارئك،‭ ‬فتفترضه‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬سري‭ ‬تقوده‭ ‬أنت،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬القارئ‭ ‬فهم‭ ‬الشفرات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وتكاد‭ ‬تكون‭ ‬مكتوبة‭ ‬بلغة‭ ‬مورس‭”. ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬الأمر‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ “‬خاصرة‭ ‬الرغيف‭”‬،‭ ‬فقسوة‭ ‬الكاتب‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الجملة‭ ‬الأولى‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬زفرة‭ ‬نفس،‭ ‬عندما‭ ‬تنتهي‭ ‬المهمة‭ ‬الحزبية‭… ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬تنتهي؟

 

كقارئ،‭ ‬أفكر‭: ‬في‭ ‬أي‭ ‬خانة‭ ‬أضع‭ ‬أدب‭ ‬طه‭ ‬الشبيب،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مهمته‭ ‬التي‭ ‬أشرت‭ ‬إليها‭ ‬أعلاه؟‭ ‬بلاغته‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬مفتعلة‭ ‬مرة،‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬غنائية‭ ‬مرات،‭ ‬وشخصياته‭ ‬المحصورة‭ ‬في‭ “‬تعبئة‭” ‬عائلية‭. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أبطال‭ ‬منفردون‭ ‬متبطرون،‭ ‬بل‭ ‬عائلة‭ ‬بطل‭ “‬خاصرة‭ ‬الرغيف‭”: ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬أنفار،‭ ‬بكران،‭ ‬وبهرة،‭ ‬وهاني،‭ ‬وبقية‭ ‬الأخوات،‭ ‬والأخ‭ ‬الصغير‭ ‬إبراهيم‭.‬

 

وجدت‭ ‬أن‭ ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬يكتب،‭ ‬ليس‭ ‬بالقلم‭ ‬والورقة‭ ‬أو‭ ‬بنقرة‭ ‬على‭ ‬الكيبورد،‭ ‬بل‭ ‬يكتب‭ ‬بإبرة‭ ‬حادة‭ ‬وخيوط‭ ‬ملونة‭. ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬رقعته‭ ‬كمن‭ ‬يطرز،‭ ‬يدخل‭ ‬إبرته‭ ‬في‭ ‬عيون‭ “‬النمنم‭”‬،‭ ‬يدخلها‭ ‬ويخرجها‭ ‬بعمل‭ ‬دؤوب‭ ‬وصبور،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬نافد‭ ‬الصبر،‭ ‬سريع‭ ‬الأنفاس‭. ‬يذرف‭ ‬دمعه‭ ‬وعرقه‭ ‬لتنتهي‭ ‬لوحته،‭ ‬أو‭ ‬عمله،‭ ‬أو‭ ‬قصته‭. ‬وقد‭ ‬ترى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬فيفوتك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬غرزات‭ ‬الإبرة‭ ‬في‭ ‬خاصرة‭ ‬الفكرة،‭ ‬لتخرج‭ ‬خبزة‭ ‬العمل‭ ‬ساخنة‭.‬

 

أبعد‭ ‬من‭ ‬النشرات‭ ‬المدرسية،‭ ‬وبما‭ ‬يفيدنا‭ ‬في‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬ماهية‭ ‬أدب‭ ‬طه‭ ‬الشبيب،‭ ‬نتأمل‭ ‬معمولات‭ ‬السجناء،‭ ‬السياسيين‭ ‬بالأخص،‭ ‬في‭ ‬معتقلاتهم،‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬بمواد‭ ‬بسيطة‭ ‬يوفرها‭ ‬لهم‭ ‬أهاليهم‭ ‬في‭ ‬الزيارات،‭ ‬أو‭ ‬السجانون،‭ ‬لبراءة‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬وابتعادها‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تهمة‭. ‬لوحات‭ ‬من‭ ‬النمنم،‭ ‬أو‭ ‬مزينات‭ ‬الخياطين‭ ‬الملونة،‭ ‬يقتل‭ ‬المسجونون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬وقتهم،‭ ‬أو‭ ‬مدد‭ ‬محكومياتهم‭ ‬الطويلة،‭ ‬فتخرج‭ ‬أعمال‭ ‬تعني‭ ‬كثيرًا‭ ‬لذوي‭ ‬السجناء،‭ ‬مثلما‭ ‬تعنيه‭ ‬للسجين‭ ‬نفسه‭. ‬أعمال‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بمضمونها،‭ ‬بل‭ ‬بالوقت‭ ‬المكرس‭ ‬لإنتاجها،‭ ‬وبدقة‭ ‬غرزاتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬بـ‭”‬السرد‭” ‬مقابل‭ “‬الإخبار‭” ‬المتفشي‭ ‬والسائد‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬أعمال‭ ‬الروائيين‭ ‬المعروفين‭.‬

 

من‭ ‬هنا‭ ‬أكاد‭ ‬أصنف‭ ‬أعمال‭ ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬بأنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭”‬أدب‭ ‬السجون‭”‬،‭ ‬مثل‭ ‬أعمال‭ “‬الأقدام‭ ‬العارية‭” ‬لطاهر‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم،‭ ‬و‭”‬الفراشة‭” ‬لشريف‭ ‬حتاتة،‭ ‬مع‭ ‬فارق،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ “‬سجن‭” ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬ممتد،‭ ‬وربما‭ ‬أبدي،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬ثورته‭ ‬مستمرة،‭ ‬وحتى‭ ‬بلا‭ ‬أهداف،‭ ‬فبالتالي‭ ‬سيكون‭ ‬تنظيمه‭ ‬السري‭ ‬بلا‭ ‬برنامج‭ ‬انتقالي‭ ‬أو‭ ‬أهداف‭ ‬آنية‭. ‬وبهذا‭ ‬الثلاثي‭: (‬السجن،‭ ‬التنظيم‭ ‬السري،‭ ‬الثورة‭)‬،‭ ‬وبه‭ ‬فقط،‭ ‬يمكننا‭ ‬قراءة‭ ‬أدب‭ ‬طه‭ ‬الشبيب‭ ‬كعملية‭ ‬معقدة‭ ‬للتحرر‭ ‬والانعتاق‭ ‬من‭ ‬سجون‭ ‬متعددة،‭ ‬بعضها‭ ‬سجون‭ ‬تخصه،‭ ‬وأغلبها‭ ‬سجون‭ ‬هي‭ ‬طبقات‭ ‬مستحيلة،‭ ‬تذكرنا‭ ‬بتلك‭ ‬الهاويات‭ ‬والحفر‭ ‬والمطامير‭ ‬التي‭ ‬دُفن‭ ‬فيها‭ “‬المنقذ‭”‬،‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ “‬الخلاص‭”‬،‭ ‬مرة‭ ‬كعقاب،‭ ‬ومرة‭ ‬كاختيار‭.‬

 

لكن‭ ‬التصنيف‭ ‬الحقيقي‭ ‬والمنصف‭ ‬لأدبه‭ ‬سيكون،‭ ‬حتمًا،‭ ‬وبرأيي،‭ ‬هو‭: ‬أدب‭ ‬الكتابة‭ ‬بالتطريز‭. ‬

قبل aktub falah

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *